_ يا نهار برونزي زي لون بشرتك، حرام عليك الي بتعمله فيا ده. وصلت رائحة الطعام التي تحمله إلي أنفه فأستدار ليري مصدرها فرآها تقف بشرود، تحمحم بحرج وألتقط قميصه وأرتداه علي الفور، فقالت في عقلها مرة أخري:
_ ليه لبست القميص، ماتخليك بفانلة قطونيل الي هتاكل منك حتة دي أحسن. _ فيه حاچة يا آنسة شهد؟.
سألها ولكنها تقف كالمغيبة تحدق به، خطي نحوها:
_ آنسة شهد؟. أنتبهت إليه يقف أمامها، فسألته بهيام ونظراتها التي يعلم هويتها جيداً:
_ ها، كنت بتقول حاجة؟.
تحمحم مرة أخري وأرتسم وجه الصلابة والجدية:
_ كنت بسألك فيه حاچة يا آنسه شهد؟. _ يا لهوي علي إسمي وأنت بتنطقه.
تفوهت بداخل عقلها، ثم أجابت عليه:
_ عايزه أحضنك…
تحمحمت بخجل لتبدل كلماتها:
_ قصدي أنا كنت جعانة فروحت جبت أكل لينا هايعجبك أوي، و كمان عرفت من بابا إنك أتقلبت في القطر ومعكش أي حاجة، فياريت تقبل الهدية البسيطه دي وشوفهم كده لو فيه حاجه مش عجباك أو مش علي مقاسك هبدلهالك.
تلاقي حاجبيه بتعجب من كل هذا الإهتمام البالغ، فقال ومازال محافظاً علي نبرته الجادة:
_ طبعاً أني بشكرك علي إهتمامك، بس معلش أني ماجدرش أخد حاچة. قالها و ولي إليها ظهره ليتظاهر بالعمل، زفرت بحنق وقالت في نفسها:
_ أي ده شكله زعل ولا أي!، وأنا الي كنت فكراه هيفرح ويبدأ يفكر فيا زي ما بفكر فيه وهموت عليه!.
ركضت نحوه وقالت:
_ أنت أتضايقت مني؟، أنا والله ما أقصد حاجة ابداً، طيب بص خدهم وهخصم تمنهم من مرتبك لو ده هيرضيك يعني.
وحدجته بنظرة توسل بأن يوافق ولا يردها خائبة، شبه إبتسامة ظهرت علي ثغره الذي سلب لُبها المجذوب به. _ إن كان إكده ماشي، أني موافج. أنفرجت أساريرها بفرحة عارمة، مدت يدها إليه بالحقائب:
_ حيث بقي كده أتفضل، ويلا عشان نلحق الأكل قبل مايبرد. حك فروة رأسه من الخلف قائلاً:
_ معلش، مش هاجدر أكل دلوق غير لما أخلص الي في يدي الأول.
تركت أكياس الطعام جانباً وعقدت ساعديها أمام صدرها:
_ وأنا جعانة أوي ومش هاكل غير لما تاكل معايا وخليني بقي هاموت من الجوع ده غير لسه واخده حقنة الأنسولين. رمقها بإستفهام فأومأت إليه:
_ أه عندي السكر، خدته وراثة عن ماما الله يرحمها.
حدق بها لثوان في تردد ثم قال:
_ ألف سلامة عليكي. أمسكت يده بجرأه لتجذبه خلفها:
_ الله يسلمك ياسيدي، يلا بقي ده أنا جايبه أكل هايعجبك أوي.
كادت تخطو نحو الباب فأصتدمت بالصناديق رغماً عنها، لاحظ فارس الصناديق العلوية وهي تتهاوي وتسقط، تراجع إلي الوراء وجذبها بقوة فأرتطمت بصدره وسمعت صوت أرتطام الصناديق علي الأرض خلفها، لم تكترث للنظر حتي عليهم بل رفعت عينيها ذات العدسات اللاصقة نحو خاصته الرماديتين، لم تصدق نفسها هي الآن بين زراعيه ملتصقة بصدره تشعر بأنفاسه ونبضات قلبه أسفل كفها.
أزدرد ريقه وأبعدها برفق:
_ بعتذر لو كنت شديتك بقوة. لمعت عينيها ومن فرط قوة نبضات قلبها تخشي أن يسمعها، فقالت بداخل عقلها:
_ بتعتذر ليه!، ده أنا هاين عليا أوقع كل الصناديق عشان تشدني في حضنك زي ما عملت.
أفاقت علي صوت حموده الذي أتي للتو ليطمأن بعدما سمع صوت الصناديق التي وقعت:
_ أي الي حصل؟. أستدارت إليه بينما فارس أنتابه التوتر والإحراج كون وجوده مع إبنة رب عمله بمفردهما في مكان ضيق كهذا، فكان علي وشك الإجابة لكنها سبقته بحدتها المعتادة:
_جري أي يا حمودة هو أنت أعمي!، الصناديق واقعه أدامك أهي، تعالي أرفعهم. أستغل فارس الفرصة فقال:
_ لاء روح أنت يا حمودة شوف الزباين وأني هارفعهم بنفسي، وأنتي يا آنسة شهد روحي أتفضلي علي مكتبك ولو محتاچة أي حاچة أبجي خلي حموده ينادم عليا.
وصلت إليها رسالته المستتره من بين كلماته بأن عليها الإبتعاد عنه، رفعت إحدي حاجبيها بحنق وتجز علي أسنانها بغيظ لم تستطع إخفاءه، ولكي تسترد كبريائها الذي تبعثر أشارت له بعجرفة:
_ ياريت لما تخلص الي وراك تجيب لي الدفتر علي مكتبي عشان أراجع الي كتبته وبعدها تروح تطلب لي واحد كابتشينو من الكاڤتريا الي علي ناصية الشارع. أدرك غضبها الكامن من وراء حديثها، فأظهر بسمة جانبية أشعلت نيرانها فأستشاطت غيظاً، زفرت بقوة و غادرت المكان وفي طريقها ركلت الصندوق بكل قوتها لكنه سبب لها ألماً فتأوهت مما جعله أطلق ضحكة رغماً عنه، ألتفتت له تحدجه بشرر متطاير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ فتحت الباب بالمفتاح الخاص بها، ولجت إلي الداخل فوجدت خالتها تمسك بطبق من الأرز وتقوم بتنقيته من الحصي.
_ السلام عليكم يا خاله. نهضت رسمية و بادلتها التحية:
_ وعليكم السلام يا نوارة، مجولتليش ليه إنك هتبيتي عند أمك؟. تنهدت وألقت بحقيبتها علي الأريكة ثم خلعت وشاحها:
_ معلش كنت تعبانه وماجدرتش أعاود، فينه إبنك؟. أجابتها وهي متجهة نحو المطبخ:
_ بيقيل له ساعتين قبل الغدا، أدخلي غيري خلچاتك وأطلعي واكلي الطيور.
_ حاضر يا خالة.
دخلت غرفتها فقابلتها رائحة دخان الأرجيلة الذي يزفره بقوة، يتمدد علي السرير ويشاهد أحدي الأفلام الأجنبية علي شاشة هاتفه.
ضغطت زر الإضاءه المنغلق بدون أن تلقي التحية عليه أو حتي تكترث له، خلعت عبائتها السوداء وألقت بها غير ملاحظة سوداويتيه الحادتين يتابعها و مازال يسحب الدخان ويزفره مما سبب إليها السعال.
_ حمدالله علي السلامه يا نوارة هانم.
قالها بسخرية، وبعد أن ألتقطت أنفاسها والإنتهاء من السعال:
_ الله يسلمك يا رافع بيه.
قالتها بسخرية مماثلة مع تعابير ملامحها المستهزأه به
أوقف مشاهدة الفيلم و ألقي بعصا أرجليته فوق الكمود المجاور له لينهض في هدوء قاتل، بينما هي كانت ترتدي عباءة قطنية وترفع خصلاتها لأعلي، فباغتها بجذب خصلاتها بقبضة عنيفة فأطلقت صرخة مدويه:
_ آه، همل شعري يا رافع وإلا…
قاطعها بجذبها نحوه:
_ وإلا أي يابت سعاد!، أياكي تكوني فاكرة إن بعد مابجيتي حبلي فده يديكي الحق تسوي الي علي مزاچك، تخرچي وتبيتي بره الدار من غير ما تجوليلي وترچعي علي كيفك ولا كأن ليكي راچل عاد. أستدارت بصعوبه حتي تصبح أمامه لكن مازالت خصلاتها في قبضته:
_ أوعاك تكون مفكرني هبلة ونايمة علي وداني، وحركاتك دي مابجاش ليها عزا عندي، ولا أنت ماشي بمبدأ خدوهم بالصوت قبل ما يغلبوكو!. أدرك ما ترنو إليه، ترك خصلاتها وعقد مابين حاجبيه متسائلاً:
_ تجصدي أي؟.
رمقته بعينين تغمرها دموع حارة تأبي الإنهمار مرة أخري أمام ذو القلب القاسي المتبلد الذي لايشعر بقهرة قلب من تعشقه، يذيقها من العذاب ويلاته كل يوم ولا يبالي لتلك النيران التي تحرق روحها.
_ أجصد إنك عايش حياتك علي هواك ولا كأني مارتك وليا حقوق عليك، حط حالك مطرحي وجولي لو أني الي كنت عشجانه عليك واحد وبسوي وياه كيف ما بتسوي مع الست هانم الي داير وراها في كل مطرح. جذبها من عضدها حتي كاد يقتلعه من جسدها وهدر بها:
_ كنت دفنتك بالحيا ولا خليت الدبان الأزرج يعرفلك طريج چرة.
أبعدت عضدها الذي ألمها بشدة وقالت بنبرة أوشكت علي البكاء:
_ يبجي ليا الحق أدفنك حي وده يبجي العدل، لكن أني ما سويش إكده،لأن وكلت أمري للخالق ياخد لي حجي منك وتدوج من نفس المُر الي بتدوجه لي كل يوم، وتبكي بالدموع ندم وحسرة. لم يتمالك نفسه عكس ماتوقعت ردة فعله، أخذ يضحك ويعلو صوت ضحكاته للعنان حتي توقف قائلاً:
_ تصدجي بجالي زمن ماضحكتش وحديتك دي خلاني ضحكت غصب عني، ياه يا نواره مكنتش خابر جلبك أسود جوي إكده!.
رفعت وجهها بشموخ وكبرياء:
_ جلبي عمره ما كان أسود، وچيت أنت ومليته بالسواد وخلتني بدل ما أدعي لك أدعي عليك. وضع كفه علي وجنتها يربتها بخفة:
_ طيب يا نوارة، لآخر مرة بجولك لو كررتيها تاني وعتبتي بره باب الدار من غير علمي لأكون مكسرلك رچليكي الأتنين، سامعه يابت خالتي؟.
أزاحت يده و حدجته بإزدراء في صمت وذهبت من أمامه.
طرقات عنيفه علي الباب يصاحبها صوت الجرس بدون إنقطاع، خرجت علي أثره رسمية وكذلك زوجها خميس من غرفته فكان نائماً وتابعهما رافع يرتدي جلبابه فوق سرواله وقميصه القطني، أرتدت نوارة وشاحها علي عجالة وذهبت لتري من الطارق فأزاحها رافع من أمامه:
_ خشي چوه لما أشوف مين الي بيخبط كيف البهيمة دي. وما أن فتح الباب ليجد عمته جليلة في وجهه تدفعه إلي الداخل وتصرخ به متسائلة:
_ فين بتي يا رافع؟، خطفتها ولا سويت فيها اي عاد؟.
نظر الجميع إليه ولم يستعب ما قالته جليلة، فتدخلت والدته:
_ اهدي إكده يا أم زكريا وجولي لنا أي الي حوصل. صاحت الأخري:
_ أهدي كيف طول ما ولدك ورا كل مصيبة تحصل لبتي!. تحدث رافع بصوته الغليظ غير مكترث لما تقوله عليه عمته بل يريد معرفة ما حدث مع فاطمته :
_ مالها فاطمة يا عمتي؟. أشاحت بيديها في وجهه وتشدقت:
_ شوف الواد، يجتل الجتيل ويمشي في چنازته، وعامل حاله ما عرفش حاچة.
صاح بها شقيقها ليوقفها عن النواح:
_ ما تنطجي يا خايتي وجوليلنا حوصل أي لبتك ولو ولدي له يد حتي لو من بعيد أني الي هاتصرف وياه. حدج رافع والده بغضب في صمت، فأجابت جليله ببكاء يتخلل صوتها ذو البحة:
_ كنت فاكرها نايمه لحد الضهر، هملتها وروحت أعزي چماعه تبع چوزي ورچعت المغربية دخلت أوضتها ملجتهاش، أتصل عليها تليفونها مجفول، جولت يمكن صحيت وأني مش موچوده وراحت تحضر كتب كتاب البت سمية، جعدت أستناها وما رچعتش لحد مانعست غصب عني وتو ماصحيت دلوق تو ما چيت لكم .
أتسعت عينيه وألسنة اللهب المشتعلة تتراقص بداخل مقلتيه:
_ عتجولي أي يا عمتي، كيف ما رچعتش من إمبارح؟، وليه ما چيتيش وجولتي لي تو ما تأخرت. _ يعني مش أنت الي خاطفها يا ولدي؟.
سألته والدته، ليجذبه والده من تلابيب جلبابه:
_ قسماً بالله لو طلعت أنت الي ورا خطف بت عمتك ل…. صاح بوالده مبعداً يديه عنه:
_ ما جولت ماليش صلة بموضوع إختفائها ده واصل، أني فعلاً كنت وياها إمبارح.
لم يريد ذكر إنها كانت برفقة الطبيب في النادي، فأردف:
_ كنا بنتحدتو في موضوع إكده وعازمتها نجعدو شوي علي النيل، أتخانقت وياي وهملتني، أفتكرتها عاودت عليكم، قسماً بالله ده كل الي حوصل. فقال خميس:
_ مش ممكن تكون راحت عند بكر أخوها وباتت حداه؟. تذكر رافع أمر يحيي الذي كان يتفق معها علي الزواج فقال في نفسه:
_ والله يا فاطمة لو طلع الي في دماغي ده صوح لأكون مخلص عليكي وهو قبل منك.
تركهم وذهب إلي الداخل تحت نظرات نوارة، تناول عبائته والعمامة كليهما، ثم ألتقط عصاه وخرج. فسألته والدته:
_ رايح فين يا ولدي؟. أجاب وهو يرتدي حذائه:
_ رايح أدور علي فاطمة. كلماته كانت كفيلة بإشعال النيران في قلب التي بالداخل تراقب الأجواء في صمت مُطبق،لكن دموعها لم تتوقف عن الهطول، كانت تخشي أن لايكون للدجال صلة بما في أحشائها لكن الآن تمنت أن يكون الأمر بالفعل حقيقي، وما تحمله ليس إبن رافع لترد له الصاع صاعين عما يفعله معها من خيانة وجراح لا يوجد دواء لها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ توقفت تلك السيارة الفارهة أمام إحدي ناطحات السحاب الشهيرة بالاس فيجاس، ترجل منها السائق ليفتح الباب لسيده الذي هبط بزهو كعادته و أتبعته هي بحسنها الخلاب مرتدية ثوباً حريرياً باللون الأسود و وشاح باللون الذهب المنطفأ، يزين وجهها بعض لمسات مساحيق التجميل.
أمسك يدها بحنان لم تعهده معه وقام بتقبيل ظهر كفها بنعومة ثم وضعه فوق ساعده، فأقترب من أذنها وهمس بصوته الرخيم:
_ عايزك ما تفكريش في أي حاجة غير أنك تتبسطي يا حبيبتي.
رمقته زينب بتعجب من تصرفاته الغريبة، فمن بعد زيارة الطبيب وحاله قد تبدل علي النقيض، أصبح يعاملها بحنان وإهتمام، يحاول إرضائها بشتي الطرق، بينما هي توقفت عن الصياح في وجهه والتمرد وأكتفت بالبعد النفسي عنه حيث تتواجد برفقته جسدياً لكن روحها هائمة في عالم آخر، ظن إنها رضخت إليه أخيراً وستذعن إلي كل أوامره. دلفا كليهما في المصعد الزجاجي المطل علي خارج البناء، فرأت ما يحاوط الناطحه من مباني مماثله لها وأنوار عديده شديدة الإضاءه.
توقف المصعد في آخر طابق، يوجد به مطعم خاص، لايذهب إليه سوي رجال محددون مثل شاكلة سليم ودنيال وما يعمل معهم من رجال المافيا.
أستقبلتهم نادلة ترتدي ثياباً فاضحة لجسدها، فقالت لهما:
_ أهلاً وسهلاً بك سيد سليم، لقد أعددنا الطاولة الخاصة بك. أومأ إليها بإبتسامة قائلاً بإقتضاب:
_ شكراً. بادلته بإبتسامة مغناج:
_ العفو سيدي. لاحظت زينب نظرات الفتاة التي أدركت من خلالها أنها تعرف زوجها جيداً فقالت له:
_ واضح إنها تعرفك، ياتري دي كانت واحدة من خاضعاتك؟. تجلت إبتسامة علي محياه، فجذب إليها الكرسي لتجلس وجذب آخر و وضعه بجوارها ليجلس ملتصقاً به مما جعلها أنتفضت لاسيما عندما حاوط كتفيها بزراعه وقال:
_ بدأنا نغير أهو، تقدم حلو أوي.
تجهمت ملامحها وردت بنبرة حادة:
_ ومن جالك أني غيرانه عاد؟، ده مچرد سؤال مش أكتر. هبط بيده إلي خصرها وضغط بخفه عليه:
_عيب لما تكدبي علي جوزك حبيبك. إبتسامة هاكمة لاحت علي محياها:
_ چوزك!، حبيبك! ، ومنين چايب الثقة دي يا سليم بيه. أبعد يده عن خصرها ليرفع كلا يديه إلي وجهها ويحاوطه بكفيه، تخترق قاتمتيه خاصتيها الذهبيتان المحاوطه بأهداب كثيفة:
_ بالنسبة لكلمة جوزك ده أمر مفروغ منه، وأنتي ملكي، إما بالنسبة لحبيبك، واحده واحده وهتحبيني ومن غير غصب.
وضعت كفيها علي يديه لتزيحهما لكنها فشلت في ذلك لتجد يديه متشبثه بفكيها، فقالت بإمتعاض:
_ وأنت خابر زين جلبي بيحب مين، وما الحب إلا الحبيب الأولِ. برغم ماشعر به للتو من نيران مندلعه يريد إطلاقها عليها وشياطينه تهمس له بأن يلقنها عذاب يجعلها تتوسله الرحمة، لكنه تمالك غضبه وتظاهر بعكس ما بداخله، متصنعاً إبتسامة باهته، ويلمس بطرف إبهامه شفاها السفلي:
_ حبيبتي زوزو لسه ماتعرفش حاجه عن سليم العقبي الي كل ما هتقرب منه وهاتحس بمشاعره ناحيتها ساعتها هي الي هاتعترف بنفسها أد أي إنها بتحبه ويمكن تعشقه.
أفترقت شفتيها لتجيب عليه بما يثير حنقه بل بغضبه وتفسد عليه تلك الليلة الرومانسية الحالمة ، فأوقفتها تلك الموسيقي الصادرة من سماعات متفرقة علي الجدران لتشعر بالنغمات تتخلل كل خلايا جسدك لتتراقص معاها علي كل إيقاع لها. نهض وأنحني أمامها بشكل كلاسيكي، يمد يده إليها:
_ تسمحيلي ياحبيبتي بالرقصة دي؟. لم يدع لها الموافقة أو الرفض، جذب يديها برفق وحنان ليرفعها أعلي كتفيه وهو حاوط خصرها، لاتعلم ماذا تفعل، يضغط عليها معنوياً، تغيره المفاجئ لم تجد له مبرراً سوي إنه يخطط لأمر ما تجهله وهذا ما جعلها تشعر بالخوف بل الرعب.
رفع يده من خصرها إلي منتصف ظهرها ليدفعها إلي صدره:
_ شكلك مابتعرفيش ترقصي، ممكن تسبيلي نفسك خالص. زفرت بسأم وضجر:
_ وأني أصلاً موافجتش إننا نرجص.
رفعها من منتصف ظهرها فشهقت بفزع فوجدته يتحرك بها كأنها تتطاير في الهواء علي نغمات معزوفة كلاسيكية تعود إلي القرن المنصرم. بدأ يلقي عليها بعض الكلمات عله يكسب قلبها و ودها:
_ عارفه أنا حاسس بقي وأنتي في حضني كده؟. لم ترد فأردف:
_ببقي نفسي تاخديني في حضنك أنتي كمان وتضميني أوي.
باغتته بسؤال:
_ مش غريبة؟. قطب مابين حاجبيه مجيباً:
_ وأي الغريب في كلامي؟. نظرت في داخل عينيه وتقسم إنها تري بداخلهما عكس ما يفعله معها الآن تماماً، فهو شيطان يرتدي قناع الملاك.
_كل حاچة بجت غريبة، تصرفاتك وياي، حتي حديتك سبحان الله بقدرة قادر من أمر ونهي وتهديد وعنف لحب وحنية و رومانسية. أطلقها علي بُعد زراعه وجذبها مرة أخري لتلتصق بصدره:
_ مسألتيش نفسك أي سبب التغير المفاجئ؟.
أجابت بسخرية:
_ سببه لما حبستني في المخزن من غير هدومي والبرد هري چتتي وكنت بحس بالموت كل ساعه لحد ما حسيتش بحالي غير وأني في السرير والدكتور بيجولك چالي السكر! . جز علي فكه كلما تذكر الأمر الذي أقترفه بها آخر مرة:
_ أنا بعترف إن قسيت عليكي بس أنتي السبب والي وصلتيني لكده، أنا كل الي طالبه منك تسمعي كلامي بدون مجادله، أوامري كلها تتنفذ ولو ده حصل أوعدك وقتها هخليكي تعيشي أجمل أيام حياتك.
رددت بداخل نفسها ساخرة:
_ وأنت الصادج، أسود أيام حياتي. ظل يراقصها في صمت لكن عينيه كانت تخبرها بالكثير، بينما هي لا تفكر سوي فيما يمتلك فؤادها وكيف تهرب من هذا السجان لتذهب وتبحث عن فارس عشقها مهما كان الثمن!.
_ زينب؟.
همس بها لتشعر بسخونة أنفاسه علي شفاها، حدجته بتوتر وخوف:
_ نعم.
توقف عن الرقص وعينيه تهبط علي منبع حديثها، فأرتفعت نظراته مرة أخري في ذهبيتيها لم يكن يحدق بها وحسم بل كانت عينياه تخترق روحها مما جعل قلبها يخفق بقوة، تخشي إنه يقرأ ما تعزم عليه، لكنه فاجئها بإلتقاط شفاها بين خاصتيه وأخذ يقبلها وكأنه يتذوق قطعتي من الشهد بنعومة و رقة بالغة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أشتعلت الأضواء الملونة في كل أرجاء النجع وتعالت الموسيقي معلنة عن قيام مراسم حفل زفاف صلاح أيوب علي سمية إبنة عبدالحق ، أُطلقت الزغاريد من أفواه النساء، بدأ عازف المزمار بعزف الموسيقي التي تعود للفلكلور الصعيدي وتبعه الرجال الآخرون بالضرب علي الطبلة والدفوف، وإلقاء زوجة أبيها بأوراق الزهور الجافة علي العروسين، ذهبت إحدي الفتيات إلي سمية لتجذبها وترقص، فأمسكت الأخري بيد زوجها وترقص معه أمام الحضور بفرح وسعادة علي نغمات الموسيقي.
كان صلاح يفتقر للرقص الصعيدي فناوله إحدي الشباب عصا غليظه ليرقص بها مع عروسه، وقد كان أختطفتها منه سمية لترقص بها هي وكأنها راقص بالعصا محترف.
أقترب صلاح منها قائلاً:
_ سيبي العصاية من إيدك بدل ماتيجي في راس حد وإحنا مش ناقصين. ردت عليه ومازالت ترقص:
_ ما تخافش يا صلوحتي، مارتك تعرف ترجص بالعصا زين جوي، حتي شوف الحركة دي. أخذت تلف من حولها وترفع العصا في الهواء وتلتقطها، لم تنتبه لطرف ثوبها الطويل الذي تشابك في كعب حذائها المرتفع، فأختل توازنها وأسرع إليها ليلحق بها قبل أن تقع فهبطت العصا فوق رأسه بقوة.
رأت الدماء تدفق من جبهته فصرخت بأعلي صوتها:
_ صلاح!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خلاص يا بابا عشان منتأخرش.
قالها أكرم منادياً علي زوجته، فخرجت من غرفتها تعلق يد حقيبتها علي رسغها:
_ جاية أهو يا حبيبي، خلاص خلصت، ثواني بس هلبس الشوز. نظر خلفها وتسائل:
_ أومال فين البنت؟. أجابت وهي تهندم من إلتفاف وشاحها حول وجهها أمام المرآه المجاوره لباب المنزل:
_ بابا جه وأنت نايم وشبطت فيه فخدها معاه. وبعد أن كان علي وشك إدارة مقبض الباب توقف وخطي نحوها:
_ بتتكلمي بجد؟.
نظرت له عبر المرآه مبتسمه، تهز رأسها إيجاباً:
_ اه، ومالك مش مصدق ليه؟.
حاوطها من الخلف وعقد ساعديه أسفل صدرها و دنا بشفاه نحو أذنها:
_ هو إحنا ينفع نلغي الخروجه دي ونقضي وقت جميل هنا.
وأشار لها نحو غرفة النوم، أستدارت لتصبح في واجهته تمسك ذقنه بأطراف أناملها الرقيقة تلمسها بنعومة:
_ ما إحنا ممكن نخرج عادي ونرجع ونقضي برضو وقت جميل هناك.
وأشارت بسبابتها أيضاً إلي الغرفة، رفع يده إلي طرف وشاحها وبدون أن تشعر قام بفكه وخلعه عنها:
_ حرام نضيع فرصة زي دي.
وهبط علي عنقها بقبلات ناعمة، تتحرك من بين يديه:
_ أستني بس أصبر هقولك.
زمجر بالرفض ومازال يلثم جيدها، فتفوهت مرة أخري وتدفعه برفق في صدره:
_ أسمعني بس. لم يمهلها أن تتحدث فأسكتها بإلتهام شفاها وحملها وأتجه بها نحو الغرفة ليكمل ما بدأ به.
وبعد قليل، نهض من فوقها بلهاث يلتقط أنفاسه ليتمدد بجوارها، بينما هي جذبت الدثار علي جسدها العاري وألتفتت إليه لتجده يفتح درج الكمود ويسحب سيجارة من العلبة والقداحة، كاد يشعلها فأخطفتها من يده، فرمقها بضيق:
_ أي الي عملتيه ده؟. ألقت بهم بعيداً وأقتربت منه لتتوسد برأسها صدره العاري وبأناملها تداعب شعيراته المتناثره، وبدلال أجابت:
_ عايزاك تبطل تدخين، وماتشربش تاني.
نظر نحوها وسألها بغموض:
_ خايفة عليه؟. نهضت لتعتدل في جلستها وأجابت:
_ آه طبعاً خايفة عليك. حدق في عينيها لثوان ثم سألها مرة أخري:
_ بتحبيني يا ندي؟. عقدت ما بين حاجبيها بتعجب ودهشة:
_ مالك يا حبيبي، عمال تسألني أسئلة المفروض أنت عارف إجابتها. تنهد وتجلت إبتسامة لاتعلم أن كان سعيداً أم ماذا! :
_ أنا بس بحب أسمعها منك.
نهضت من جواره لتعتليه ومازالت تحتفظ بالدثار عليها فقامت بجمع خصلاتها الغجرية وألقتها علي جانب واحد أعلي كتفها الأيسر لتظهر له ترقوتها من الجهة اليمني وأتضح عليها وشم أسود بالحناء:
_ أيوه يا أكرومتي بحبك وبخاف عليك، لأنك حبيبي و جوزي وأبو بنتي. رد عليها وعينيه علي الوشم يحاول قراءته:
_ أوعديني يا ندي إن عمرك ما هتخبي عليا حاجه تاني مهما حصل.
فاجئتها كلماته، ظنت لوهلة إنه قد علم بأمر الرساله الأخيرة، لكن كيف وهي قد حذفتها! ، لاتريد أي شئ يعكر صفو حياتهما مرة أخري،فهي تدرك مدي غيرته القاتلة عليها وخاصة من هذا المدعو علي، أرادت إخفاء توترها فأنحنت للأمام حتي كاد صدره يلامس خاصتها وتفوهت أمام شفاه:
_ أنا عارفه إنك ممكن تكون لسه زعلان مني أو متضايق من كل الي حصل، بس أوعدك أن عمري ما هخبي عليك أي حاجة تاني.