أمسك طرف ذقنها وقال بهيام وعشق:
_ أفتكري كويس إنك وعدتيني. هزت رأسها بالإيجاب، ضيق مابين حاجبيه بإستفهام:
_ ده أي الي مرسوم علي رقبتك؟. أجابت بدلال وأناملها تداعب خلف أذنه:
_ ده تاتو بس بالحنا السوده روحت رسمته في البيوتي سنتر الي في الشارع الي ورانا. وجدت ملامحه يسودها التجهم ليتحول إلي الغضب يجذبها من عنقها:
_ وياتري عشان ترسميه روحتي قلعتي حجابك وهدومك عشان يرسمولك التاتو!.
أزدردت ريقها بخوف من إنقلابه المفاجئ،فأجابت بتردد:
_ لاء، لاء، قصدي أنا خلعت بس الحجاب وخلتني بالبندانه والشيميز نزلته شويه من علي كتفي يعني مقلعتش حاجه، وبعدين ده في قسم المحجبات يعني كل الي هناك بنات وستات بس. هزها بقليل من العنف:
_ برضو لاء، أول وآخر مرة تعملي حاجة زي كده تاني، عايزه ترسمي زفت أجب لك واحدة لحد البيت وكمان متقلعيش قدامها، محدش يشوف خصلة منك غيري أنا ومحارمك بس، أنتي فاهمه؟. أومأت له بطاعة:
_ حاضر.
ترك عنقها و أطلق زفرة من أعماقه ليعود مرة أخري ينظر إلي الوشم فجعلها دنت إليه:
_ وأي المكتوب ده. أجابت بدلال:
_ بعشقك يا أكرم، بس بالاتيني. _ امم، لاتيني!،قربي كده لما أتأكد بنفسي. أطلقت ضحكة أثارت كل حواسه فجذبها إليه وأنقض علي موضع الوشم بشفاه تاره وبأسنانه تارة أخري لكن بقليل من العنف، فأخذت تتأوه:
_ آه، حرام عليك سنانك بتوجع. قال من بين قبلاته علي جيدها:
_ عشان تحرمي تكرريها تاني. أطلقت صرخة يصاحبها ضحكات:
_ خلاص، خلاص حرمت والله.
و في الشقة المقابلة لمنزلهم يصدر صوت مزعج كان لحفار يثقب الجدار، يقوم به عمال صيانة التكيف، فهبط أحدي الجيران من الطابق الأعلي وعلي ملامحه الضجر:
_ يا عم خضر، أنت يا عم خضر. خرج له عم خضر حارس العقار:
_ نعم يا رأفت بيه. _ أي صوت الحفر ده والساعة 12 بالليل!، مش عارفين ننام و أمي ست مريضة ومش حمل أي صوت مزعج، الكلام ده مينفعش غير بالنهار. رد خضر بإعتذار:
_ حقك عليا يا رأفت بيه، ده عمال الصيانه بيركبو التكيفات في الشقه عشان الساكن الجديد جاي بكره الصبح هيقعد فيها.
زفر رأفت بسأم وقال:
_ طيب معلش كلمه وقوله يخليهم يكملو بكره. أجاب خضر علي مضض:
_ حاضر.
وأتجه إلي داخل الشقه يتمتم:
_ وأنا مالي ومال الأرف ده كله. أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليهاتف الساكن الجديد:
_ الو. أجاب الآخر وهو يقود سيارته بعد أن ضغط علي زر الإجابة في عجلة المقود:
_ أيوه يا عم خضر، في حاجة؟. _ أه يا بيه، الجيران بيشتكو من صوت الشنيور الي شاغلين بيه العمال. ألتقط من الكرسي المجاور له سيجاره و وضعها بين شفتيه:
_ خلاص قول للرجالة يوقفو شغل لحد كده ويجو بكره الصبح يكملو.
_ حاضر يا بيه، مع السلامة. ضغط الآخر علي زر إغلاق المكالمة الموجود في المقود أيضاً، قائلاً بعدما قام بإشعال سيجاره وزفر دخاناً كثيفاً بدأ يتلاشي ويظهر صاحبه من بين سُحبه، ألتمعت عينياه ذات لون العسل بالتوعد والشر :
_مبقاش أنا إما وريتك من هو علي الحسيني يا ندي هانم!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌷يتبع🌷
#الفصل_الخامس_والعشرون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ بعدما أنتهت ليلتهم الشاعرية في مطعم البرج، عاد كليهما إلي المنزل الحجري تركها و دلف إلي غرفة المكتب لمراجعة أعماله علي الحاسوب، بينما هي صعدت لأعلي يرهقها التفكير في كيفية التخلص منه في أسرع وقت، فحدسها يخبرها أن تغيره الطارئ ليس سوي تمثيل زائف وما خفيا كان أعظم.
أطمأنت أن لايوجد في الغرفة سواها فخلعت ثيابها و ولجت إلي المرحاض للإستحمام، تشعر بالتعب وتريد أخذ قسطاً من الراحة أو تخلد في نوم عميق تهرباً من واقعها المؤسف وعاصفة الأفكار التي تطيح بعقلها المصدوم منذ ليلة زواجها وحتي الآن.
وبعد أن أنتهت وأرتدت منامتها، سمعت صوت خطوات قادمة إلي الغرفة، وثبت علي الفراش وتصنعت النوم حتي لايكمل معها تلك الليله الملعونة بالنسبة إليها.
طرقات علي الباب يتبعها صوت أنيتا الخادمة:
_ سيدتي، العشاء جاهز بالأسفل. لم تجب الأخري عليها برغم طرق الخادمة الباب مرة أخري حتي ذهبت، أطلقت زينب زفرة عميقة ثم تمددت بأريحية علي جانبها، فأنتبهت لطرقات مرة أخري لكن تبعها فتح الباب، علمت إنه هو، أغمضت عينيها للتو.
دخل الغرفة و ملامحه يسودها جمرات الغضب العاتية، صدره يعلو ويهبط، لو أطلق زفرة لتوه لأحرقت كل مايقابلها.
ألقي نظرة عليها وأقترب منها و أخذ يحملق بها، ظن إنها تغط في النوم، حاول إلهاء نفسه في تأمل ملامحها البريئة ليبعد تلك الأفكار السوداء والوساوس المميته عن رأسه.
صدح رنين هاتفه في جيبه فأخرجه ليري المتصل وقبل أن يجيب أطلق سبه بذيئة وأتجه إلي الشرفة المطلة علي الحديقة.
(الحوار مترجم )
المتصل: _ سيدي لقد كان مختبئ في متجر بيع الخمور الخاص بسيد دانيال.
أشتد ظلام عينيه وتفوه بنبرة مخيفة لاتنبأ بخير بتاتاً:
_ حسناً، أجلبه لي الآن.
أغلق المكالمة ليجري أخري، ولايشعر بالتي تقف خلفه بمسافة قليلة تسترق السمع. تحدث في هاتفه مرة أخري:
_ أطمأن قبضنا علي الرجل الذي سيوصلنا إليهم.
…….
_ أعدك بمجرد وصوله سأجعله يخبرنا بكل شئ.
أغلق مكالمته و تنهد بقوة، ينظر إلي السماء التي تزينها النجوم المتلألأه، وقبل أن يستدير ويعود للداخل كانت هي عادت إلي مضجعها وأغمضت عينيها، شعرت بخطواته وهو يذهب إلي المرحاض ليستحم.
وبعدقليل خرج مرتدياً مأزره القطني ويجفف خصلاته السوداء بالمنشفة وعينيه تجول عليها، خطي نحوها وهو يعلم إنها مستيقظة، لما تتهرب منه بتصنع النوم!.
جلس بجوارها فوجدها ترتجف عندما شعرت بقربه الشديد منها، تفرقت شفاه وكاد يتحدث لكن قاطعه هاتفه ليجد المتصل إحدي رجاله المتناثرين بالأسفل.
أجاب وقال له الرجل:
_ نحن في إنتظارك سيدي.
أجاب سليم :
_ أنا قادم الآن. نهض من جوارها ليرتدي ثيابه و تناول سيجاره وقداحته ثم غادر الغرفة، قامت علي الفور لتلحق به لديها رغبة لمعرفة ما الذي يحدث بالأسفل، كم هي حمقاء لاتعلم أن الفضول قد قتل القط! .
_ وبالأسفل في ذلك المخزن الملحق خلف المنزل، يقف هذا المسكين ملتصق بالعمود الخشبي ويقوم رجال سليم بتقيده بالسلاسل والأغلال الحديدية.
أخذ يصرخ بطلب النجده، فقام إحدي الرجال بلكمه في وجهه ليكف عن الصراخ، حتي فُتح الباب الحديدي وهنا وقف كل من بالمكان بإحترام لهذا الذي دخل للتو، رفع ذلك المُكبل رأسه بصعوبه ليري أسوأ ما ينتهي إليه مصيره.
جحظت عينيه رعباً وكأنه يقف أمام الجحيم ، مَنْ فيهم لايعلم بسليم العقبي المُلقب بالشيطان في عالمهم الأسود، و ألف رثاء علي الذي يقع ضحية بين يديه، فنهايته محتوم أمرها بمجرد ذكر إسم معذبه.
أطلق سليم صوت صفيراً علي هيئة نغمات كما يفعل كل مرة مع ضحيته، وكأنه سيقوم بعمل فني كالرسم والنحت وليس تعذيب.
جذب كرسي ليجلس عليه بعكسه، حيث ظهر الكرسي مقابل لصدره، وكان علي بعد مسافة من الرجل المقيد كفيلة أن يري ملامح سليم التي دبت الرعب في كل خلايا جسده فأخذ يرتجف بقوة.
كف الآخر عن الصفير ليسأل بالإنجليزية الأمريكية:
(الحوار مترجم)
_ أين البضاعة التي أختطفتموها؟. أزدرد ريقه و أجاب بإستنكار:
_ بضاعة ماذا؟.
هز رأسه وأطبق شفتيه، فنهض عن الكرسي:
_ بضاعة ماذا! ، أنت الذي حددت ما سأفعله معك لا تشتكي الآن. أدرك الآخر ما يرمي إليه، فصرخ لإيقافه عن أي شئ مُقبل عليه:
_ لا، لا، أرجوك سيد سليم دعني وشأني، لا أستطيع الإفصاح عن أي شئ، لو أخبرتك سوف أُقتل.
وبالخارج كانت تتسحب علي أطراف قدميها لتري مصدر تلك الهمهمات والصراخ الآتيه من المكان الذي كانت معاقبة به منذ يومين.
خفق قلبها وجلاً عندما وصلت إليها صرخات هذا المُعذب بالداخل، وبدون أن تلفت إليها إنتباه الحراس المتراشقون في كل الأرجاء، أختفت ما بين الأشجار حتي وصلت إلي المخزن و وقفت تري مايحدث من خلال شق متصدع في الجدار.
وعودة إلي الداخل، يمسك سليم سلاحاً ذو نصل حاد يغرز سنه المُدبب في صدر الآخر فأطلق صرخة من الألم الغير محتمل، وقبل أن يبدأ في تشريحه حياً هدر به بصراخ مرعب:
_ أنطق أيها الغبي بدلاً من أكمل تشريح جلدك و لحمك وأطعمه لك غصباً. يلتقط أنفاسه بلهاث ولعابه يسيل من فرط الألم غير قادر علي التفوه ولو بحرف مما أثار غوار سليم الذي شرع في تهديده.
شهقت من هول ما تراه فكممت فاهها حتي لايسمع صرختها أحداً، تأكدت للتو إنها متزوجة من رجل سفاح قاتل، يحاول أن يظهر لها بمظهر الرجل ذو المشاعر الرومانسية والقلب الحنون لإستمالة قلبها ومشاعرها نحوه لكن ما حدث الآن كشف لها عن جانبه المظلم الحالك.
أنتابها الشعور بالغثيان، تراجعت إلي الوراء لتفرغ ما بجوفها، أرتمت علي الأرض في وضع الجثو لتجهش في البكاء كلما تذكرت أن شقيقها قد باعها لهذا المجرم غير مكترث بحقيقته وماذا يمكن أن يفعل بها من أذي، تتخيل نفسها مكان هذا الرجل وسليم يغرز السكين في جسدها، ليتها ما أطلقت لمخيلتها العنان، فالواقع أسوأ بكثير من الخيال.
وفي تلك اللحظة قد حسمت قرارها عليها تركه أو الهروب منه حتي لا يأتي يوماً وتكون أشلاء علي يديه حينها الموت منتحرة أفضل بكثير. أفزعها صوته الذي دب الرعب في أوصالها:
_ بتعملي أي هنا؟. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ وفي أرض الكنانة، بداخل إحدي الفنادق الشهيرة في محافظة قنا، يتمدد علي السرير ومازال مرتدياً حُلته السوداء، وهي تجلس بجواره بثوب زفافها، تداوي له جرحه أثر هبوط العصا علي رأسه، تأوه حينما نثرت المطهر علي جرح جبهته، فقالت:
_ حجك علي يا حبيبي، والله ماكنتش أقصد واصل.
صمت ليرمقها لحظات ثم أمسك بيدها التي تداويه قائلاً:
_ أنتي قولتي أي؟. أجابت بعفوية:
_ مكنتش أقصد. أنفرج ثغره بإبتسامة:
_ لاء الكلمه الي قبلها. فهمت مغذي سؤاله، فأجابت بمكر:
_ جولت والله ماكنتش أقصد. زمجر بحنق:
_ سمية، بطلي لؤم أنتي فاهمة أنا بسألك عن أي كويس. ضحكت وقالت:
_ أباه عليك، أني بهزر وياك ماتبجاش مزرزر إكده. غر فاهه وسألها بتعجب:
_ أي مزرزر دي كمان؟. _ يعني بتتنرفز بسرعة، كيف عصبي حداكو في البندر.
نهض بجذعه وحاوط خصرها متفوهاً بهيام:
_ إحنا هنقضيها تغير علي الجرح وتفسير مصطلحات وتضيع علينا أحلي ليلة في حياتنا. رمقته بتوتر وخجل وهي تنهض:
_ رايد نسوي أي يعني؟. أمسك برسغها لمنعها من الإبتعاد عنه وغمز بعينه مبتسماً:
_ تعالي هنا رايحة فين، ده أنا ما صدقت إننا أتجوزنا وبقيتي مراتي. تمتمت بداخل عقلها:
_ وأني كمان ما مصدقه حالي و الود ودي أترمي في حضنك وأعطيك بوسه كيف بتوع السيما. أنتبهت علي جذبها إليه ليجلسها علي فخذيه:
_ ما بترديش ليه كده وواقفه سرحانه؟.
هزت رأسها بإستنكار وبدون أن تنظر في زرقاويتيه قالت:
_ أني بس أ…. قاطعها و هو يمد يده إلي حجابها في محاولة فكه:
_ أنا عارف إنك مكسوفة ومتوترة وخايفة زي أي بنوتة في أول ليلة جوازها. هزت رأسها لتؤكد علي كلماته، و وجنتيها تزداد حمرتها، فأبتسم علي ردة فعلها التي تجعله يشتهيها ويريد نهمها كالفاكهة.
أمسكت بيده لتمنعه عن فك حجابها ورمقته برجاء ولطف:
_ممكن قبل أي حاچة نقوم نتوضو ونصلي ركعتين لأچل ربنا يبارك بينتنا ويبعد عنا الشيطان؟.
في كل موقف وكل كلمة لها يزداد إعجابه بها، حدجها بإبتسامة تنضح من زرقاويتيه فأجاب بكل ترحاب وقبول لطلبها:
_ طبعاً بس.. صمت وهو يحك فروة رأسه بحيرة من أمره.
_ بس أي؟. سألته بعدم فهم فأجاب عليها بخجل:
_ مش هعرف أصلي. غرت فاهها وقالت بتلقائية وبأسلوب فكاهي:
_ حداك عذر إياك؟.
وضحكت رغماً عنها، فعقد مابين حاجبيه وأجاب بإمتعاض:
_ لاء يا ظريفة، أنا قصدي مش هعرف أصلي بيكي أمام، مش متذكر أركان الصلاة أوي وخايف أتلغبط.
أتسع فمها أكثر من التعجب والدهشة فقالت بمزاح ساخر:
_ هو الوالد والوالدة معلمكش تصلي كيف؟. أغمض عينيه لثوان وتذكر والده الذي لم يهتم لأمره يوماً ولم يعلمه أمور دينه بل كان والده تاركاً للصلاه.
أومأ علي سؤال زوجته بالنفي و رأت الحزن في عينيه فأرادت تغير الأجواء فاخذت تتمتم مازحة:
_أبوك معلمكش الصلاة وهملك إكده وأتلاجيت بسليم زعيم كفار قريش وبجيتو أصحاب وحبايب، ياخوفي لتطلع في الآخر مُلحد، يبجي إكده المرار الطافح الي عيشته طول حياتي ختمها بخازوق أزرج كيف لون عينيك.
لم يفهم من حديثها شيئاً:
_ أنتي عماله تبرطمي بتقولي اي؟. أمسكت بيده وقالت:
_ جوم بس الأول وروح أتوضي، عقبال ما أغير الفستان لأچل هتوضي وقبل مانصلي هجولك كيف تصلي وبيا كمان، أتفجنا؟. أمسك بكفها وطبع بداخل راحته قبلة عاشقة:
_ أتفقنا يا حياتي. _ وبعد مرور دقائق وقفت أمام المرآه تغلق مشبك الحجاب بعدما أبدلت ثوبها بإسدال للصلاة وتوضأت، وكذلك هو بعد إنتهاءه من الإستحمام وأرتدي ثياباً قطنية، وقف خلفها يحدق في ملامحها التي تزداد جمالاً وإشراقاً كلما ينظر إليها.
أستدارت إليه لتنتشله من شروده ونظراته التي تخترقها، فقالت:
_ رايده منك تركز وياي زين جوي، ماشي؟.
أومأ لها قائلاً كتلميذ نجيب:
_ يحضرلك الخير يا حبيبي. أتسعت إبتسامته فأزداد وسامة أكثر، صاحت في وجهه:
_ لاء بجي، إكده مينفعش عاد. حدجها بعدم فهم مندهشاً:
_ فيه أي؟. تمتمت بدون أن يسمعها جيداً:
_ فيه حاچات كتير، أعلمه كيف نصلي وهو عمال يبحلق فيه بعينيه الزُرج دول، أستغفرالله وأتوب إليه. زفر بنفاذ صبر قائلاً:
_ أنتي عماله تكلمي نفسك بتقولي أي؟. ضحكت وأجابت:
_ بجول يلا نخلصو في ليلتنا الي مافيتاش دي.
وقفت أمامه تخبره وتعلمه كيفية أداء الصلاة، بينما هو كان ينظر إليها ويشعر بأن ما بداخله قد تعدي مرحلة الإعجاب بل الحب أيضاً، تعلقه وشعوره نحوها أصبح تعلق عاشق بمعشوقته، الفتاة الوحيدة التي وجد فيها كل ما يتمناه، فقربه منها يشعره بالدفء والحنان الذي لم يجدهما حتي في أقرب الناس إليه. أفاق من شروده علي قولها له:
_ يلا لأچل تصلي بيا إمام، تعرف ولا ماتعرفش؟. هز رأسه مبتسماً:
_ هاعرف إن شاء الله.
تقدمها بخطوة وهي خلفه فرفع صوته:
_ الله أكبر.
وبدأ بتلاوة آيات سورة الفاتحة في خشوع، يشعر برجفة تسري في عروقه وطمأنينة وسكينة تملأ قلبه كلما نطق لسانه بآيات الذكر الحكيم والقيام بكل ركن كالركوع والسجود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وصل مبكراً أمام المركز الصحي الخاص بسكان النجع، ترجل من سيارته وهو يمسك بهاتفه لا يكل ولايمل عن الإتصال عليها ولم يجد إجابة، يريد الإطمئنان عليها ويخشي الذهاب إلي منزلها ويحدث سوء تفاهم ينتهي بكارثة أو يسبب لها مشكلة مع أسرتها.
ركضت نحوه مساعدته عندما رأته:
_ صباح الخير يا دكتور.
أغلق شاشة هاتفه و وضعه في جيب بنطاله:
_ صباح النور يا مديحة، فيه حالات النهاردة؟. سارت خلفه وهي تجيب عليه:
_ أيوه يا دكتور، عشر حالات حاچزين تذاكر ومستنين حضرتك. ألقي نظرة علي ساعة معصمه:
_ طيب خمس دقايق ودخليلي أول حالة وياريت ماسمعش خناقات زي كل مرة، إحنا مش في طابور عيش. أومات له:
_ أمرك يا دكتور. ولج إلي داخل الغرفة وخلع سترته وألتقط مأزره الطبي المعلق علي المشجب ليرتديه، جلس خلف مكتبه وأطلق تنهيدة حارة متمتماً:
_ ياتري أنتي عاملة إيه يا فاطمة!.
أرتفعت الأصوات بالخارج بين صياح المساعدة و رجل يريد الدخول إلي الطبيب عنوة:
_ لو سمحت يا فندم جولتلك روح اجطع تذكرة بچنيه وأستني دورك. أجاب الآخر بصياح:
_ أفندم أي يا أبله شيفاني لابس بدله إياك، بجولك أمي تعبانه ومجدراش تيچي المركز أهنه. _ والدكتور عنده حالات دلوق ومينفعش يهملهم ويچي وياك. خرج يحيي ليري ما الأمر:
_ أي الدوشه دي يا مديحة؟. وقبل أن تتفوه بكلمة ركض إليه هذا الرجل ذو المظهر الغريب وقال بتوسل وشيك علي البكاء:
_ أبوس يدك يا دكتور أمي بتموت، مجدراش تاخد نفسها وماعرفش أچيبها أهنه ماتستحملش الحركة واصل.
ربت الآخر عليه ليطمأنه وقال:
_ أهدي كده إن شاءالله خير، إستناني هادخل أجيب شنطتي وجاي معاك. رفع يديه لأعلي وأخذ يدعو:
_ الله يباركلك يا دكتور ويخليك لينا قادر يا كريم. أرتدي سترته وأخذ حقيبة أدواته الطبية وغادر برفقة الرجل ذو الملامح المريبة، وعند وصوله إلي سيارته سأله :
_ البيت قريب ولا بعيد عن هنا؟. أجاب الآخر:
_ قرب المعبد مش بعيد جوي يعني. فتح باب سيارته وقال:
_ طيب أركب بسرعة. وبعد دلوف كليهما إلي السيارة أنطلق بها حتي توقف امام منزل قديم في منطقة نائية عن المنازل الأخري.
_ أيوه هو ده بيتنا يا دكتور.
أشار يحيي إليه لينزل من سيارته:
_ ممكن تنزل عقبال ما اركن العربية علي جمب وأحصلك. أرضخ الرجل لطلبه حتي لايشك في أمره وعندما لحق به الآخر، وجد باب المنزل يُفتح من الداخل.
_ أتفضل أدخل يا دكتور. وبمجرد قدمه تقدمت بخطوة إلي الداخل دفعه الرجل بقوة، وكان يوجد آخر ينتظرهم هبط علي رأسه بعصا غليظة جعلته يفقد وعيه في التو. _ وفي مكان آخر، أستيقظ بفزع بعدما ألقي علي وجهه دلو من الماء، أرتفع شهيقه ليلتقط انفاسه.
_ أخرچو أنتو يا رچالة، رايد أجعد ويا الدكتور لوحدنا، بينتنا حديت كتير. قالها رافع الذي وقف أمام يحيي المقيد في الكرسي بأحبال قوية، يحدجه بنظرات نارية قاتلة:
_ مش هاستغرب من خطفك ليا، مش جديد ولا غريب علي مجرم زيك. قهقه رافع عائداً برأسه إلي الوراء حتي ظهرت كل أسنانه، تحدث بهدوء مضاد للنيران المندلعة بداخله ود لو أطبق علي عنقه بقبضته حتي تفارق روحه جسده، لكنه لم يفعل ذلك سوي بعد معرفة مكانها أولاً.
_ أني مچرم ويا الي يعاديني ويحاول ياخد حاچة تخصني يا دكتور.
رمقه بعدم فهم ما يشير نحوه بكلماته المبهمة فقال:
_ تقصد أي بكلامك؟. كشر الآخر عن أنيابه ليكشف له عن وجهه القبيح، دنا إليه و حدجه بنظرة مخيفة تخبره أن إنكار الأمر ليس في صالحه قط:
_ فين فاطمة يا يحيي؟. تجلت الصدمة علي ملامحه، هل هذا الأخرق يتهمه بإختطاف مجبوبته!.
_ ما عرفش.
إجابة مقتضبة، وعينيه تنضح بصدقه، لكن رافع لايريد رؤية ذلك، فكل ما يجول في رأسه أن فاطمته قد هربت بمساعدة هذا المُكبل أمامه.
شبح إبتسامة لاحت علي محياه ولم تصل لقاتمتيه المظلمتين، خلع عبائته و وضعها جانباً ثم رفع أكمام جلبابه لأعلي ليباغته بللكمة قوية وبصياح هادر:
_ فاطمة فين يا إبن ال…….. أطلق صرخة قوية من شدة اللكمة مما جعله يشعر بحطام عظام فكه السفلي وتذوق دماءه بداخل فمه، أخذ يتنفس بلهاث وبتهدج واضح اجاب:
_ والله.. العظيم.. ما أعرف.. عنها حاجة.
ألتقط أنفاسه بصعوبة بالغة من فرط الألم الذي يداهمه بقوة، فأردف:
_ من وقت ما كنا في النادي وأنت جيت وأتضايقت مني ومنك وسابتنا ومشيت، قعدت أتصل بيها تليفونها مقفول، وبعدين مش أنا الي يخطف أو يحرض واحده إنها تهرب من أهلها، الي مرضهوش لأخواتي البنات مرضهوش علي بنات الناس. لوهلة تأكد من صدق كلماته، أخرج زفرة عميقة من جوفه وهو يرجع خصلاته إلي الوراء، كاد عقله يجن من كثرة التفكير، توقف عن الذهاب والأياب ليلتفت مرة أخري له:
_ لو حديتك طلع صوح وأنت ملكش يد في غيابها، يبجي ده معناته أي!.
حدقه بإزدراء و رد علي حديثه بتهكم :
_ معناه أنك تروح تشوف مين الي عايز ينت.قم منك في فاطمة، وأنت ماشاء الله أعداءك كتير. أنقض علي ياقة قميصه ويجذبه منها هادراً به:
_ تعرف لو طلعت بتكدب عليا هسوي فيك أي عاد؟.