كانت منهمكة في العمل داخل مكتبها داخل المشفى إلى أن تناهى الى مسامعها صوت ضحكات تعرفها جيداً واشتاقت لها نهضت بلهفة وهي تعدل هيئتها وترتب خصلاتها وخرجت تتبع ضحكاته التي تراقصت دقات قلبها بصخب على أثرها
ولكن عندما وقع نظرها عليه تجمدت أوصالها وتعالت أنفاسها وكادت تشعر أن ساقيها لم تعد تحملها فكان هو ببشاشته ونظراته الحنونة التي تعودت عليها ولكن تلك المرة ليست حصريًا لها
فكان يحتضن خصر فتاة شقراء تفوقها في الجمال ويتبادل معها الضحكات والهمهمات اثناء سيرهم في رواق المشفى
تقدمت هي بخطوات مهزوزة نحوهم وهي تجاهد أن تبدو ثابتة أمامه:
– حمد الله على السلامة يا دكتور ايه نسيت انك مسؤول عن المستشفى لتستأنف بتهكم وهي ترمق تلك الشقراء بإزدراء:
-ولا بقي عندك اهتمامات تانية ابتسم هاشم على رد فعلها ورد بتهكم:
-مش تسلمي عليا الاول يا دكتورة مي وترحبي بضيوفي ابتسمت بأصفرار وهي ترمقهم وتمد يدها مصافحة:
– اهلًا …لتوجه حديثها له: -مش تعرفني على الآنسة ابتسم هو وأجابها بفخر:
– دي نيرة خطيبتي…
لو كانت الكلمات قاتلة لكانت سقطت لتوها طريحة بأرضها فقد تراجعت خطوة واحدة للخلف وهي تشعر بقلبها يتلوى بين ضلوعها…ورغم صدمتها وتلك الدماء التي فرت من وجهها حاولت أن تتمسك بكبريائها وهمست بنظرات زائغة وبنبرة صدرت منها مهزوزة متأثرة:
-مبروك…
مش كنت تعزمني ده انا قبل ما ابقى طليقتك كنت بنت عمك و افرحلك استأنف بعدما حانت منه بسمة هازئة على رد فعلها الذي دائمًا يكون عكس توقعاته:
-تتعوض إن شاء الله في الفرح
أصله قريب وأكيد هتكوني اول المعزومين انتِ ومرات عمي
ابتلعت غصة بحلقها وجاهدت أن ترسم بسمة مجاملة على وجهها:
– ربنا يتمملك على خير يادكتور لتبتسم نيرة وتقول بصوت رفيع يطن بالأذان:
-مرسي ليكِ عقبالك…انا مش مصدقة اني وقفة معاكِ ده انا سمعت عنك كتير اجابتها مي من طرف منخارها بكل غرور:
-ويا تري سمعتي ايه؟ لوت نيرة فمها بأمتعاض وهدرت قاصدة اغاظتها:
– بيقولوا عنك مغرورة وعلطول عصبية وبتتعاركِ مع دبان وشك
تلجم لسانها وعجزت عن الرد بعدما زاغت نظراتها من جديد وهي تحدجه بخزي وظلت تتسأل هل هذا ايضًا رأيه بها؟ لكن هو بادل نظراتها بجمود تام وكأنه يوافقها الرأي وعندها شعرت انها ستنهار الآن لا محالة إلى ان قطع هاشم نظراتها وهو يحث نيرة على الصمت:
– خلاص بلاش كلام ملوش لازمة ويلا افرجك على المستشفى علشان اوصلك واشوف شغلي
ردت نيرة بميوعة وهي تتعلق بذراعه:
-حاضر يا شومي بس متتأخرش هستناك نتغدى بره مع بعض زي ما اتفقنا
ليجيبها بثبات:
-حاضر مش هتأخر عليكِ
هز رأسه ل مي بمجاملة وسحب نيرة وغادر من أمامها، لتبتسم هي ببهوت لآثارهم وتصنعت الصمود ثم توجهت إلى المرحاض وعندما دخلت أغلقت الباب وناظرت نفسها بالمرآة بسخط تأنب حالها:
-خطب…وهيتجوز…أرتحتي …أهو راح… شوفتي أن الدنيا ما وقفتش عليكِ كنت فاكراه هيرجع تحت رجلي يترجاني اسامحه علشان شكه فيا طلع هو ولا فارق معاه وهيتجوز…هيتجوز…
هدرت بكلماتها بتقطع ودمعاتها تنهمر دون وعي لتشهق بألم وهي تضع يدها على قلبها تحسه على الصمود وتستأنف بكبرياء ترفض التخلي عنه:
-انا هبقي قوية وهنساه انا مش بحبه أيوه…انا مش بحبه انا بس علشان كنت متعودة عليه اهدي يا مي انتِ قوية…لتتهدل معالم وجهها وتخور دفعاتها ومحاولات صمودها وتستأنف بضعف ونبرة مهزوزة وهي تشعر بالأنهيار:
-لأ انا بحبه وبحبه اوي كمان ومعرفتش ده غير لما بعد عني بس خلاص فات الآوان…
لتظل تنتــ. ــحب عدة دقائق حتى خارت قواها وخبت أنفاسها لتنفض نفسها وتحاول ان تسترد ثباتها وهي تطالع إنعكاسها بالمرآة….
وظلت تردد لنفسها من جديد بإصرار وبعزيمة انثى ترفض الخسارة:
-انا قوية ومفيش حاجة هتكسرني مهما حصل هذا أخر ما تفوهت به قبل
خروجها من المرحاض بعدما ازالت آثار بكائها وعودتها لكبريائها.
الثاني عشر
كانت تباشر عملها مع العاملات لديها داخل السنتر الخاص بها. تحاول تنسيق كل قطعة وما يناسبها من مستلزماتها ولكن ذهنها كان مغيب ظلت تتذكر كلماته لها أثناء رقصتهم لا تعلم لما استشعرت صدقه تلك المرة ولكن ما يظل يثير فضولها وتكاد تمــ . ــوت قهرًا لتعرفه هو ذلك السبب اللعين الذي يخفيه عنها
انتشلها من شرودها سماعها لصوت يحمحم من خلفها:
– لو سمحتي ممكن تساعديني انا بدور على تصميمات صاحبة السنتر رفعت نظراتها له وعلى وجهها تلك الابتسامة الهادئة وردت وهي تؤشر بيدها بأحترام ليتبعها:
– اتفضل معايا حضرتك أومأ لها وأتبعها وحين وقف أمام التصاميم ظل يفحصهم بشكل مبالغ به أثار ريبتها فهيئته غريبة بعض الشيء
بتلك الملابس العصرية المبالغ بها فكان يرتدي بنطال أسود ممزق من الركبتين وقميص يخلط جميع الالوان الربيعية بشكل ملفت للأنظار
لكن ما أثار دهشتها حقًا هو تسريحة شعره الفوضوية فهو يشبه من تعرض لصدمة كهربائية لتوه…لتحمحم وتتسائل وهي بالكاد تكبت بسمتها على هيئته:
– اقدر اساعدك لو حابب
هز رأسه عدة مرات وأجابها بثقة:
– التصميم كلها احلى من بعض وبصراحة محتار ليسحب قطعة و يقلب بها يميناً ويسارًا ويستأنف:
-بس دي مختلفة وعجبتني عن التانين أصلي بحب الحاجات الغريبة عقدت حاجبيها باستغراب من اختياره وقالت:
-على فكرة كل التصاميم حلوة بس هي اذواق هز رأسه وهو يطالعها:
– عندك حق بس منكرش ان المصممة هايلة بس تحسي ان معظم تصميماتها مفهاش جراءة كله مقفول بزيادة أردفت فدوة بدفاع بثقة:
-حضرتك احنا مجتمع شرقي وطبيعي لأي مصمم يراعي المعايير دي ومش كل الناس بتوافق رأي حضرتك
أومأ لها بإعجاب بعدما افحمه ردها وقال:
-هي قناعة شخصية وانا بصراحة بفضل الغير مألوف ديمًا وبتجذبني الحاجات الغريبة وضعت يدها على فمها تحاول جاهدة أن لا تنفلت منها ضحكتها ليرفع عينه يتأمل ملامحها الطفولية ويقول بدعابة وهو يضيق عينه:
– انا عارف عايزة تضحكي ليه على لبسي مش كده وعايزة تقولي مفيش اغرب منك ليمط فمه ويستأنف:
-عادي انا واخد على كده أومأت له وأجابت بدبلوماسية:
-هو انت غريب فعلًا بس لبسك مميز رفع حاجبيه ورد وهو يعدل ياقة قميصه بتباهي:
– اخيراً حد اعترف أن ده تميز الحمد لله… ده أقل حاجة عندي
ضحكت هي بإتساع على خفته ليرمق ملامحها الطفولية بأعجاب شديد ويهمهم:
– هو في كده! عقدت حاجبيها وتساءلت بعدما هدأت ضحكاتها:
-بتقول حاجة؟ -هااا لأ بقولك انا عايز اقابل صاحبة السنتر عندي عرض ليها كويس أومأت له بتفهم وأشرت له أن يتبعها لمكتبها وعند دخولهم جلست هي خلف مكتبها وأردفت برسمية:
– تحت امرك انا فدوة فضالي صاحبة السنتر هز رأسه بعدم استيعاب وقال:
-مش تقولي من الاول ده انا عكيت الدنيا زمانك بتقولي عليا مجــ . ــنون
أجابته ببساطة:
-محصلش حاجة ممكن تدخل في الموضوع علطول تحمحم هو ومد يده بجيب بنطاله ويناولها الكارت الخاص به:
-انا آسر المنياوي معرفش سمعتي عني ولا لأ…اتسعت عيناها بذهول وهي تطالع أسمه لتقول بتلقائية:
-مش معقول اكيد طبعاً عارفاك انت أشهر مصمم أزياء بره ومتابعة العروض بتاعتك وبجد كلها تجنن ابتسم هو وقال بعملية:
– طب الحمد لله انك طلعتي تعرفيني وفرتي عليا مقدمات كتير بصراحة انا كنت في حفلة لجماعة اصحابي وشوفت تصميم ليكِ على صديقة ليا وعجبني وما ارتحتش غير لما عرفت اسمك ومكان السنتر بتاعك علشان زي ما قولتلك بحب التميز
همست فدوة بإمتنان:
-مرسي لذوقك -انا هعمل دفليه في باريس ومحتاج مصممين معايا يعني بحاول اساعد الموهوبين وكمان في دورة تدريبة أنا المشرف عليها لو تحبي ممكن اضمك ليها تهللت أساريرها وهي تشعر أنها على أبواب تحقيق حلمها التي جاهدت للوصول إليه ولكن عند تذكر صقر تنهدت بقلة حيلة فهي تعلم أنه لن يسمح لها بذلك خصوصاً أن موعد الزفاف وشيك
لاحظ شرودها ليقول بحذر:
-مردتيش ليه هو في حاجة ممكن تمنع سفرك – هاااا مش عارفة…ممكن تديني فرصة افكر وارد عليك
-ممكن هستني تليفونك كارتي في كل ارقامي اتشرفت بمعرفتك قالعا وهو ينهض ويصافحها واستأذن بهدوء بعدها… لتظل هي شاردة بعد انصرافه بذلك الكارت بين يدها.
—————————-
ظلت تمر على المرضى كعادتها كل صباح إلى أن تناهى إلى مسامعها بكاء ذلك الطفل ذو الخمس سنوات وهو يبكي من الذعر أثناء تحضيره لأجراء عملية اللوزتين هرولت إليه بعدما أمرت الممرضين بالانصراف ليرفع الصغير رأسه لها بطفولة ويقول بحزن وهو يتشبث بوالدته رافض تركها:
-صحابك دول وحِشين عايزين يدونى إبرة
ابتسمت مي بهدوء وهمهمت بحنان قاصدة مسايرته:
-معقول راجل زي القمر كده زيك ويكون خواف مط فمه بطفولة وقال بخفة:
– انا مش خواف بس انتم كلكم لابسين ابيض تبقوا اصحاب ومتفقين عليا أجابته وهي تربت على يده بحنان:
-لأ مش صحاب بس ممكن ابقى صاحبتك انت وبس، ايه رأيك هز الولد رأسه عدة مرات ببراءة بعدما ترك والدته واعتدل بجلسته:
-انتِ حلوة اوي وانا موافق ابقى صاحبك لتقول كي تشجعه:
– اتفقنا بس انا مش بحب الرجالة اللي بتعيط مش انت راجل برضو
اجابها بإصرار طفولي:
-اه انا راجل وقوي كمان انا نفسي ابقى شبه سوبر مان ابتسمت هي وبعثرت شعره قائلة:
-طب هو في بطل خارق يخاف من الحقنة هز رأسه بلا لتستأنف هي:
-يبقى تسمع الكلام وتتحمل الشكة الصغيرة دي علشان احبك واوعدك أول ما تخرج من جوة هجبلك أيس كريم كتير قولت ايه اغمض عينه مدعي التفكير ليقول بتلقائية غير مسبوقة:
-موافق ومش هعيط علشان انا سوبر مان
ابتسمت مي بهدوء وأومأت لوالدته التي كانت بجانبه تستمع لحوارهم، لتأمر الممرضين بتولي مهامهم واخذ الطفل إلى غرفة العمليات وان خرجت من الغرفة أستوقفها والدته بإمتنان:
-انا مش عارفة اقول لحضرتك ايه انا عاجزة عن الشكر -ده واجبي يا مامت… لتعقد حاجبيها وتتساءل:
– هو اسمه ايه نسيت اسأله -اسمه زين ابتسمت مي وقالت:
-ربنا يخليهولك وان شاء الله هيخرج من العمليات زي الفل
عقبت والدته داعية:
-ربنا يطمن قلبك ويخليلك ولادك يارب
غامت عيناها لوهلة وردت بعدما تكونت غصة بحلقها:
-بس انا معنديش ولاد
-بكرة ربنا يكرمك
هزت رأسها ببسمة عابرة لحين وصلها ضحكات هازئة تأتي من آخر الرواق ويبدو أن صاحبها استمع لحديثهم لتلتفت لمصدر الصوت ويقع نظرها عليه وهو يضــ . ـرب كف على كف ويهز رأسه بشكل ساخر لتستأذن منها وتتوجه له بخطوات غاضبة وعيون قد أشتعل بها حدائق الزيتون خاصتها هادرة بقوة وهي ترفع سبابتها بوجهه:
– انت بتضحك على ايه!
انت زودتها اوي وانا سكتلك استمر على هيئته الساخرة وقال بإستفزاز لم يكن ابدًا من طباعه المسالمة:
-اصل لما قالولي دكتورة مي هي اللي اقنعت الولد مصدقتش اصل واحدة زيك عمرها ما هتعرف تتعامل مع اطفال
زفرت بغضــ . ــب وقالت بشراسة:
-ليه ان شاء الله مالها اللي زي يا دكتور
مط فمه بأمتعاض بعدما جمدت ملامح وجهه وأجابها بكل ثقة:
-معندكيش قلب يعرف يحب ومفيش جواكِ حاجة تعرفي تديها لحد غير الكذب والخداع لوهلة سَكن الحزن عيناها حين طــ . ــعن حديثه بقلبها ولكنها تماسكت وهتفت بكبريائها المنشود:
-رأيك فيا ميهمنيش احتفظ بيه لنفسك
لترشقه بنظرة مطولة تحمل الكثير وتنصرف من أمامه لتحين منه بسمة متشفية وهو يوقن أنها تتصنع الثبات كعادتها ولكن رغم كل شيء لن تأخذه رحمة بها فهي تستحق أن يجلدها بكلماته ويثأر لكرامته التي اهدرتها.
————————