ظلت تعبث بأغراضها بفوضوية مبالغ بها وهي تبحث عن ضالتها لتدخل والدتها إليها والحزن يحتل تقاسيم وجهها وتهتف بعدم رضا:
-بتدوري على ايه يا مي؟ أجابتها وهي منهمكة بالبحث:
-البسبور بتاعي كان هنا مشفتوش انا قلبت عليه البيت ملقيتهوش ردت هنية بمغزى:
-ومش هتلقيه متتعبيش نفسك عقدت مي حاجبيها بعدم فهم وتسألت:
-مش فاهمة ليه مش هلاقيه؟ -علشان انا خدته يامي هدرت مي بضيق:
-ياماما حرام عليكِ هو معاكِ وسيباني ادور عليه ردت هنية بنبرة حزينة تعاتبها:
-عايزة تسافري وتسيبيني يامي عايزة تهربي ليه ومخبية ايه عني تاني؟
زاغت نظراتها وردت بتوتر: -هخبي ايه ياماما بس انا كنت هسافر أغير جو في أي حتة مش أكتر قاطعتها هنية بأنفعال:
-كدابة…
انا سمعتك بوداني بتتفقي مع الدكتور أحمد ابن صاحب ابوكِ انك عايزاه ينتدبك عنده في المستشفى بتاعته اللي في دبي
لسنة كاملة زفرت مي وهدرت بأندفاع:
-بتتجسسي عليا ياماما اجابتها هنية بعصبية:
-اه بتجسس عليكِ لما أشوفك بتضيعي نفسك وبتخربي حياتك بأيدك يبقى لازم اتدخل مش هقف اتفرج عليكِ
انفعلت مي وصرخت بقلب مفتور من الألم:
– حياتي هي فين حياتي اللي انتِ خايفة عليها عايزاني اقف اتفرج عليه وهو بيتجوزها قدام عيني؟
ولا عايزاني استني هنا واتحمل تجريحه فيا كل ما يشوفني.
عايزاني اركع عند رجله واقوله مخنتكش معملتش حاجة لتنهار باكية وتهمهم بضعف من بين دمعاتها الحارقة:
-عملت اللي أكتر من كده ومصدقنيش ومقدرش يسامحني على حاجة انا معملتهاش يا ماما الثقة انعدمت مابينا وانا مقدرش أحاول اقنعه تاني حتى البيبي اللي في بطني خايفة اروح أقوله انا حامل يفاجأني ويقوولي مش مني ويكرر جرحه ليا واتهامه
اتسعت عين هنية بصدمة وتسألت متلهفة:
-انتِ حامل! هزت رأسها بضعف وهي تجفف دمعاتها بظهر يدها وجلست على طرف الفراش بهوان وهمهمت بنبرة حزينة بعدما تداركت زلفة لسانها:
-ايوة حامل ياماما اتأكدت من كام يوم ومكنتش عايزة حد يعرف لتقول هنية بعدم تصديق:
-بس انتِ كنتِ بتاخدي حبوب منع يابنتي أزاي حصل وضحت مي بحرج:
-أخر مرة كنت معاه يوم طلاقنا كانت حبوبي خلصت من فترة
أحتضنتها هنية بحنان ومسحت على ظهرها بحنو وقالت بفرحة عارمة:
– مبروك يا بنتي ربنا يكملك حملك على خير أخيرًا امنيتي هتتحقق وأشوف عيالك لتقبل ظهر كفها وباطنه بالتناوب وهي تحمد ربها انه استجاب لدعواتها أخيرًا لتهمهم مي برجاء:
-اوعديني انك متقولوش! ردت هنية بعدم اقتناع:
-أزاي يابنتي من حقه يعرف حرام عليكِ تحرميه من الفرحة دي انتفضت مي بعصبية مفرطة وبجسد متشنج وصاحت بأندفاع كعادتها:
-يا ماما حرام عليكِ قولتلك مش هيصدقني وهيشكك فيا وحتى لو صدقني هيبقى فاكر اني عايزاه يرجعلي علشان حملي انا مش هفرض نفسي عليه ولا هقبل انه يرجعلي شفقة منه
اجتاح القلق قلبها من هيئة أبنتها وعصبيتها التي من الممكن ان تضر جنينها لذلك سايرتها:
– خلاص يابنتي اللي يريحك بس براحة علشان اللي بطنك بلاش تتعصبي الله يخليكِ…اهدي زفرت مي بقوة أنفاسها وجلست من جديد تحاول كبح دمعاتها لتحتضنها والدتها و تدعو والدتها لها جهرًا:
-ربنا يصلحلك الحال ياقلب أمك.
———————–
رمش بأهدابه عدة مرات قبل ان يفتح جفونه بضعف ثم همهم بصوت متحشرج بعدما استعاد جزء من وعيه:
-انا فين؟ تهللت اسارير هاشم وهو يتفحصه وقال بسعادة عارمة:
– نشفت دمنا يا جبلة وطيرت النوم من عيونا… حاسس بأيه
ابتسم ببهوت وهمهم بصوت واهن ضعيف:
-يارتني مــ . ــوت وريحتكم مني زجره هاشم يستنكر قوله:
-بعد الشر يا جبلة متقولش كده، ده لو تشوف أمك منهارة أزاي من ساعة اللي حصلك هتتمني تقعد تحت رجليها الباقي من عمرك ولا الغلبانة اللي حلفت ما تسيبك غير لما تفوق وفضلت وقفة على الأزاز الليل بطوله تبص عليك وهي بتعيط ابتسم هازئا وأستفهم بضعف: -مين دى الغلبانة اللي عملت كده…نيرة… رد هاشم متهكمًا:
-هي نيرة صاحبتك دي ليها في حاجة غير المياعة دي طهقتني بقى بذمتك راجل ملو هدومه زي تقوله شومي دي عايزة ميت شومة على دماغها
ابتسم أكمل وهو يتحامل على نفسه وهمس:
-البنت كانت بتعمل اللي طلبته منها كتر خيرها أنها وفقت تمثل معاك على مي
وبعدين مش انت اللي كنت عايز كده ياحنين علشان تثبتلها أن الدنيا مش هتقف عليها لم يعطي حديثه عنها أهمية فذلك ليس وقت ملائم كي يخبره عن تخبط افكاره وسوء هواجسه ليغير مجرى الحديث:
– تاني حنين والله ما عارف أعمل فيك ايه؟ همهم أكمل بتعب:
-قولي تقصد مين بالغلبانة؟ أجابه هاشم بمساومة:
-لما تقولي مين القادرة اللي عملت فيك كده
غامت عين أكمل بحزن بائن وتمتم بضيق بعدما تذكر ما فعله بها:
-قادرة…ده مفيش حد ظلــ . ــمته في حياتي أدها انا أستاهل ياريتها كانت مــ . ــوتتني ورحمتني من تأنيب الضمير ضيق هاشم عينه يحاول سبر اغوار صديقه لكن دون جدوى
ليستأنف أكمل بأصرار بعدما ألتقط نظراته:
– مش هقولك هي مين ريح نفسك والحمد لله انك مبلغتش زي ما قولتلك -على فكرة فيها مسؤولية كبيرة عليا ومسائلة قانونية بس ولا يهمك والحمد لله ربنا ستر و
أهم حاجة انك قومت بالسلامة
ليستأنف أكمل بتعب والفضول يتأكله:
-مش هتقولي برضو تقصد مين بالغلبانة تنهد بعمق وأخبره بإيجاز:
-لما انقلك غرفة عادية وأطمن عليك هبقى اقولك وإن نوي الخروج استوقفه أكمل بنفاذ صبر وبنبرة جاهد لتكون قوية:
-استني ياحنين وقولي الأول مش هعرف أصبر ليهتف هاشم بمراوغة:
-لما تعترفلي الأول، قلبي حاسس انك عامل مصايب ابتسم بوجع وحاول أن يعتدل بجلسته فأستند على الفراش بكفيه بهوان وتحامل على نفسه ليتراجع هاشم ويحاول مساعدته وهو ينهره:
-مينفعش تتحرك كتير غلط عليك علشان جرحك لسه عايز وقت علشان يلم
ولكن هو لم يعقب على حديثه بعد ما فاجأه ذلك الملمس البارد الخاص بقلادتها تحت يده، ألتقطها بخفة ورفعها أمام عينه بملامح شاحبة يكسوها صدمة عارمة فهو الأن علم هوية تلك الذي أخبره هاشم عنها ولكن لمَ الآن تركت قلادته… تلك القلادة هو من أهداها لها وهي أقسمت أنها لن تشلحها من عنقها إلا بمماتها لمَ الآن تخلت عنها هل حقًا كل شيء انتهى بينهم اين هي هل تركته للأبد.
غمغم بعدم اتزان وبنبرة هستيرية وهو يحاول النهوض:
-فدوة فين ياهاشم هي اللي كانت هنا طب هي فين وليه قلعت السلسلة من رقبتها انا لازم اروحلها امنعها أكيد هتسافر
ليحاوطه هاشم بقوة ويمنعه وهو يوبخه:
-انت اتجننت عايز تروح فين انت لسه تعبان ومش هينفع تتحرك لما تشد حيلك تبقى تروح مطرح ما أنت عايز هدر هو بعصبيه وبكل إصرار وهو يتلوى بين يده:
– لأ انا لازم اشوفها ولو في أخر الدنيا -مش هينفع تتحرك اسمع الكلام متبقاش مجــ . ــنون وهنا غمغم أكمل بنبرة منهارة تدمي القلب ومازال يقاوم هاشم الذي يمنعه عن النهوض:
– لا انا مجــ . ــنون…مجــ . ــنون بيها ياهاشم انا لازم أفهمها كل حاجة وهي أكيد هتعذرني انا بحبها ياهاشم…بحبها ومش هعرف اعيش من غيرها
حاول هاشم جاهدًا تهدئته وكبح حركته لكن دون جدوى ليزئر أكمل بوجع ويتمسك بصدره بضعف و يحاول تنظيم انفاسه المتعالية ولكن الألم كان فوق أحتماله فلم يعلم أهذا ألم الطــ . ــعن أَم قلبه اللعين المهوس بها ليسقط من جديد مغشي عليه من شدة الألم.
———————-
جلست هي بين صديقاتها على أحد الطاولات العريضة داخل ذلك المطعم الفاخر الذي يتوافد عليه نخبة المجتمع
وظلو يتبادلون الهمسات بينهم والأحاديث المتملقة بين نميمة ومدح وزم ايضًا لكن بطريقتهم الخاصة… أطلقت ضحكة صاخبة أثر قول إحدى صديقاتها
لتعقب احدهم عليها:
-واضح ياهند أن فضيحة ابنك مأثرتش عليكم خالص
أجابتها هند بعنجهية وابتسامة صفراء:
-وليه عايزاها تأثر ابني راجل ويعمل اللي هو عايزه وبعدين هي دي اول مرة تسمعوا عن نزوات رجال الأعمال ولا أيه وبعدين شباب ولازم نعذره
ليتبادلون الضحكات من جديد وهم يأيدو حديثها بتملق ليقاطعها رنين هاتفها لتجيب وهي مازالت محتفظة ببسمتها وعند سماع صوته المقيت تجمدت ملامح وجهها و استأذنت منهم بلباقة وابتعدت في زاوية بعيدة عن الأنظار وأجابته:
-عايز ايه تاني مش قولتلك متتصلش بيا! -انتِ نسيتي اتفاقنا ولا أيه يا ست هند انتِ وعدتيني تخرجيني من هنا علشان ارجع الأمانة وأخليها تحت عيني من تاني
-اسمع الراجل كلها كام يوم ويمــ . ــوت وساعتها مفيش حاجة هتقلقني وانت معندكش أي دليل ضدي وانا فكرت كتير ولقيت ان سجــ . ــنك أحسن كتير على الأقل هتبطل تاخد مني فلوس وتستغلني
وإذا كان على الأمانة بتاعتك مبقتش تلزمني لان بعد مــ . ــوته مفيش حد هيشاركني انا وابني في حاجة -يعني ايه ياست هند بعتيني واستغنيتي عني بالبساطة دي وطلعتيني من المولد بلا حمص
-افهمها زي ما تحب و متتصلش بيا تاني وبتمنالك من كل قلبي تعفن في السجــ . ــن
أغلقت معه واعتلى ثغرها بسمة منتصرة ظنًا منها أنها انتهت منه ومن ابتزازه لها غافلة أن للقدر حسابات آخرى.
————————
بعد وصولها لباحة القصر ظلت ملازمة سيارتها لعدة دقائق تحاول أن تتمالك نفسها لكن دون جدوى استندت برأسها على عجلة القيادة وظلت تتعالى شهقاتها دون انقطاع لتضــ . ـرب المقود عدة ضــ . ـربات بهوان و تهمهم بضعف قاصدة دعم نفسها:
-كفاية…كفاية انا تعبت…انا قفلت صفحته وهبدأ من جديد انا لازم ابقى قوية وأد قراري انا مش هضعف تاني
لتتنهد بعمق وتسحب عدة محارم ورقية من تابلوه السيارة وتجفف دمعاتها وحين انتهت نزلت من سيارتها وتوجهت الى الداخل في تلك الأثناء كان هو يقطع الردهة ذهابًا وايابًا وهو يشعر أن رأسه ستنفجر من كثرة التفكير ليصيح بها بحدة بعدما وقعت عينه عليها
-مش هقولك كنتِ فين علشان انا اتوقعت ده…بس قولتلك قبل كده وهفضل اقولك مش هسمحلك ترجعيله حتى لو روحك فيه…فاهمة
ظلت تجاهد حتى تكبح رغبتها بالبكاء مرة أخرى امامه وهمهمت تدعي الثبات:
-انا منستش وعدي ليك انا قدمت على التأشيرة من كام يوم ومستنية الموافقة وان شاء الله هسافر خلال ايام وياريت تكون أقنعت خالتو علشان مش عايزة أمشي وهي زعلانة مني هذا أخر ما تفوهت به قبل أن تنسحب الى غرفتها
تاركته ينظر لآثارها بذهول فهو توقع أنها ستعارضه أو حتى تناقشه بعد ما حدث لذلك اللعين لكن هي فاجأته كثيرًا بردة فعلها.
————————–