الإث.م الثامن والعشرون ج٢ ذ.نوب على طاولة الغفران نورهان العشري
نظرت إلى نفسها في المرآة و ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها، فمن يراها وهي بهذا الجمال لا يتخيل كم الدمار الذي يجتاح صدرها حتى بات التنفس مؤلمًا، فسحبت كمية كبيرة من الهواء داخلها وهي تحاول ابتلاع هذه الغصة الصدئة التي تمتد من القلب الى الحلق لكي تستطِع مواجهة الجميع برأس مرفوع، فلن تسمح لأحد بأن يُشفِق عليها أبدًا.
أنهت زينتها المُتقنة بعد أن صبغت شفتيها بلون نبيذي جريء يتنافى مع براءة ملامحها و ارتدت فستان باللون الكحلي المزين بفصوص لامعه براقه أعطته مظهرًا رائعًا مما جعل الأنفاس تعلق بصدره حين دلف إلى داخل الغرفة لتقع عينيه عليها وهي بهذه الطلة المُبهرة، فقد كان تحول كبير بين طفلته الجميلة و بين هذه المرأة الفاتنة التي تنظر إليه بعينين جامدتين و كأنهم حجر ليهتف قلبه مؤنبًا
ـ كل هذا من صُنع يداك، فلا تتذمر. تنحنح بخشونة قبل أن يقول بجمود
ـ خلصتي! الجماعه وصلوا تحت.
ـ خلصت.
كانت نبرتها جامدة و حديثها مُختصر لتبدأ شراره غضبه بالاتقاد، فجاءت لهجته جافة حين قال وعينيه مُسلطة فوق شفاهها المُغوية
ـ هو الروچ دا مش ممكن يتخفف شويه عن كدا! غنى بجمود
ـ دا ثابت لا بيتخفف ولا بيتمسح. استنكر حديثه ليهتف ساخطًا
ـ والله. ولما هو كدا بتحطيه ليه؟ غنى باختصار
ـ عجبني لونه. التفتت تنوي الخروج من الغرفة لتوقفها يده التي اعتقلت كفها بعُنف تجلى في نبرته حين قال
ـ الطريقة دي مش هتنفع معايا خلي بالك.
ارتفع أحد حاجبيها باستنكار ليُتابع قائلًا بنبرة أهدأ
ـ القسوة دي مش طبعك، فمتحاوليش تتصنعيها عشان مش هتعرفي. كانت عينيه تحمل اعتذارًا لم يتخطى حدود شفتيه و نبرته تحوي عتب استنكرته بشدة لتقول بجفاء
ـ القسوة دي زي ماهي صفة وراثية هي صفة مُكتسبة بردو، و أظن انك اكتر واحد عارف دا. فطن إلى المغزى وراء حديثها، وقد أبدها قلبه الذي خاصمه لأجلها لذا تحدث بنبرة يتخللها الندم
ـ عارف، و عارف اني قسيت عليكِ. بس انا كنت موجوع اوي وقتها.
لم ترق ملامحها ولا نظراتها لحديثه لتُجيبه بتهكُم تعلم كم سيُثير غضبه
ـ سلامتك. وصلت إلى مبتغاها وبدأ غضبه بالتصاعد ليهتف بتحذير
ـ غنى. بلاش الطريقة دي معايا. أرادن ترسيم الحدود بينهم لتثأر منه على مهلها، فهتفت بنبرة جافة
ـ هو انت ليه متخيل أن عشان طريقتي دي مش عجباك اني هغيرها! حديثها و نبرتها وملامحها و كل شيء يُحيط بها يوحي بأن غضبها لم يتلاشى بعد لذا تحدث بهدوء يخفي توسل بين طياته
ـ مش هتغيريها عشاني؟
قست نظراتها و نبرتها حين قالت
ـ لا، و مش هطالبك تتقبلني زي مانا. عشان احنا مش هنطول سوى. خطت إلى حقل ألغام بدأ بالانفجار داخل صدره ليهتف بنبرة قاسية
ـ هو أنتِ متخيلة اني ممكن في يوم من الأيام اطلقك! ارتج قلبها لهذه الكلمة، ولكنها نحته من منصبه بعد كل هذه الجراح التي نالت منه لتهتف بجفاء
ـ اه متخيلة. ليه متخيلش؟ من حقك تعيش حياتك مرتاح، و راحتك عمرها ما هتبقى معايا، ولا انا راحتي هتبقى معاك.
عاندها و استمسك قلبه بجميع الخيوط التي تربطهما ليهتف بحدة
ـ حتى لو كلامك صح. مش هطلقك لو على مو\تي. يا غنى. جملته خدرت أوجاعها قليلاً ولكنها لم تفلح في محو هذه المرأة التي علقت بحلقها لتقول بتهكُم
ـ ايه دا؟ دي مش بس القسوة اللي طلعت صفة مُكتسبة دي الأنانية كمان! ياسر بنبرة يتخللها نزعة تملُكية
ـ عندك حق. انا أناني و خصوصًا لو كان الموضوع يخصك.
على عكس المتوقع لم يبتهج قلبها بكلم\اته بل آنت جراحه دفعة واحدة لتقول بمرارة و كأن صبارًا نبت في جوفها
ـ كان نفسي افرح بكلامك والله بس يا خسارة الموضوع مش في ايدك لوحدك عشان مهما كنت أناني زي ما بتقول انا حياتي بقت في أيدي، وانا اللي هحدد وجهتها مش حد تاني.
اضناه التعب و مل من الحديث، فكم كان يود لو يندفع تجاهها يد\فن آلامه بين ذراعيها ولكنه يرى بوضوح رفضها الواضح له. لذا حاول جعلها تعرف مدى ع\شقه الضاري لها حين قال
ـ ملهاش وجهة غيري يا غنى. لو مهما كنتِ غضبانه و زعلانه مني ولو مهما كنت موجوع منك ملناش مكان غير بعض. شعرت بالتعب من هذا الجدال هي الأخرى لتقول باختصار
ـ هنشوف. ـ استنيني ننزل سوى، ومش عايز حد يحس بحاجه باللي ما بينا.
هكذا تحدث بجفاء قابلته بالسخرية حين قالت
ـ دا بجد! على أساس انهم مشافوش بعنيهم اللي حصل الصبح؟ صحح حديثه قائلًا ـ اقصد حد من اهلك. واصلت سخريتها ولكن هذه المرة لامس المرارة في نبرتها حين قالت
ـ لا متقلقش. هعرف أمثل عليهم دور العروسة الفرحانه اللي غرقانه في العسل مع عريسها. اي أوامر تانيه؟ ضاق ذرعًا من حديثها الذي يجعل حوافر الذنب تنغرز بقلبه ليهتف بانفعال
ـ بلاش تصعبي كل حاجه علينا كدا. غنى بحدة
ـ كل حاجه صعبة من البداية احنا اللي قاوحنا، و نستحق كل اللي بيجرالنا. ياسر بتعب
ـ ماشي زي ما تحبي. بس خلينا متفقين أن احنا قدرنا نكون سوى حتى لو القرب دا فيه مو\تنا.
لم تُجيبه ليقوم بإلتقاط هاتفه و مفاتيحه و يتقدم تجاهها و كفه يحتضن كفها و يُشبك أصابعه في الفراغ بين أصابعها، وكأنه يؤكد على حديثه بالأفعال، و لأنها كانت في غنى عن أي استفهام\ات أو استنتاجات من قِبل والديها لم تجذب يدها من بين يديه لتهبط معه إلى الأسفل، فحين رأتهم هيام زار القلق قلبها، و احتارت في تفسير ما تراه ليلتفت يزيد إلى روضة التي لم تخلو نظراتها من الحسد و يقوم بوضع كفه أمام عينيها وهو يتلو المُعوذتين لتجذب كفه من أمامها وهي تقول بحنق
ـ بتعمل ايه يا زفت انت؟
يزيد بسخرية
ـ بحاول امنع عنك أعراض الذبحة القلبية. روضة بحدة
ـ دمك سم. يزيد بتقريع
ـ مش أسم من نظراتك. يا بت دا أنتِ شايفه المرار اللي كنا فيه الصبح. بدل ما يصعبوا عليكي بتبصيلهم كإنهم كلوا ورثك. ارحمي يا شيخة. روضة بنبرة يتخللها الشعور بالذنب
ـ والله انا مقصدش أحقد على حد. بس غصب عني. يزيد بتأثُر
ـ ايوا عارف دي بتبقى موهبة فطرية. خالتك اعتماد بردو ما شاء الله موهوبة اوي تلمح الواحد على اول الحارة تنقره العين يتقلب على ضهره على طول.
نجح في رسم ابتسامة كبيرة على شفتيها قبل أن يقول بتهكم
ـ أيوا كدا الله يسترك اضحكي كفاية علينا بوز هيام اختي و عبط غنى. مش هيبقى فقر روضة كمان. دا انتوا لو قاصدين تقطفوا زهرة شبابنا مش هتعملوا كدا. ★★★★★★★★★★ كان كالوحش المتعطش للأنتقام، فبدت ملامحه مُخيفة و نظراته حادة و عروق رقبته التي نفرت من كل هذا الغضب المقيت الذي يتقد في عينيه لتتراجع صافية إلى الخلف فزعًا حين اقتحم غرفتها بهذه الهيئة المُرعبة لتهتف بجزع
ـ مالك في اي؟
رماح بشراسة
ـ وكَمان ليكي عين تسألي مالي؟ تراجعت إلى الخلف وهي تقول بنبرة مُرتجفة
ـ حوصول ايه؟ و ليه بتكلمني اكده؟ قست عينيه و توعدت نبرته حين قال
ـ كل خير يا عروسة. بس النهاردة دخلتك اللي اتأچلت ليها سنين، و چه الوجت اللي هك\سر فيها عين بنت الوتايدة، و ارميكي زي ما عِملت في أختك
انمحت نظرة الضعف من عينيها و حل محلها الغضب المُلغم بالانتقام لتقوم بجذب فازة الورد وهي تقول بعُنف
ـ ولا أنت ولا عشرة زييك يجدروا يكسِروا عين بنت الوتايدة، و خيتي اللي طالها غدركوا من وهي حتة لحمة حمرا اني اللي هچيب حجها يا اما همو\ت واني بحاول، و اظن انك خابر زين اني معيفرجش معايا مو\ت من حيا أجله هرتاح من سحنتك الغبرة دي. لطالما كانت شراستها أكثر صفة مُحببة إليه، ولكنه الآن لا يرى بها سوى غريمته خاصةً حين تذكر ما حدث ليلة البارحة
عودة إلى الليلة الماضية كانت بدرية تقف من بعيد و عينيها تراقب ابنتها الوحيدة بفرح لم تستطِع مشاركتها إياه فما يحول بينهم شيطان مريد لن تجعلها تعلق بين براثنه لتختار أن تواجه طغيانه وحدها بعد أن اطمأنت على طفلتها، فلم يعد هُناك فرق بين الحياة أو المو\ت، فقد أوقعت نفسها في فخ هذا الشيطان و قد كانت تعلم أن النهاية ستكون مروعة
ـ مشي جدامي و اياكي تنطجي بحرف واحد.
تجمد جسد بدرية حين سمعت هذا الصوت المرعب بجانب أذنها و شعرت بانغراز شيء صلب في جنبها الأيمن والذي كان فوهه سلاح أحد رجال رماح لتُطيعه وهي تودع ابنتها بنظرات صامته و تتوجه معه إلى أحد السيارات و منه إلى مستودع يقع في منطقة معزولة علمت أنها ربنا ستكون مثواها الأخير.
دلفت إلى داخل المستودع المُظل\م لتجد رماح يجلس أمامها وبيده كأس شراب و هناك إضاءة خافته تعكس جانب وجهه الذي تجعد من فرط الغضب لتشعُر بالتشفي حين رأت ذلك، ولكن سرعان ما ارتج جسدها للخلف حين سمعت صوته القاسي يقول
ـ چبتي الچرأة دي منين عشان تبعيني لابن الوتايدة يا مرا أنتِ؟! كانت تقف في مواجهة المو\ت الذي لم تكُن تهابه بل كانت في انتظاره لتقول بجفاء
ـ لما الإنسان ميبجاش عِنديه حاچة يخاف عليها مبتفرجش معاه، و بعدين كيف بتسألني عن الچرأة و اني قضيت حياتي كلها معاك!
اومأ برأسه قبل أن يقول بوعيد
ـ في ديه عنديكي حج. اني اللي سكتلك كتير جوي و خليت عيارك يفلت. صمت لثوان قبل أن ترى الكوب الزجاجي يتحطم بين يديه و بلمح البصر وجدته يقف أمامها و يده المجروحة تُحيط بعنقها و وجهه البشع قريب من وجهها كثيرًا ليقول بنبرة مُرعبة
ـ عِملتي أكده ليه يا بت الرفدي؟ بعتيله البت بكام ؟ انطوجي. مدت يدها تحاول نزع طوق يده من حول عنقها وهي تقول بنبرة مختنقة
ـ مقابل أنه يحميها منك.
شدد يديه حول عن.قها وهو يهتف بعُن.ف
ـ فكراني عبيط اياك هصدج الكلمتين دول. انطوجي اتفجتي على ايه وياه؟