Uncategorized

ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري ٦

_ واللي هقوله بعد كدا انا واثق أنه مش هيعجبك، فقدري اني بديكي فرصة تقولي اللي عندك. هكذا هتف بحدة قابلتها بالتحدي حين قالت
_ معنديش حاجه اقولها أكتر من اللي قولته. قول انت اللي عندك..

سخر من نفسه و من قلبه و من ذلك الأمل الغبي في أن كون هناك شيء واحد من شأنه أن يُخفف من ألم الغدر و الخذلان الذي تعرض له على يدها، و خاصةً أنه شعر بصدق دموعها تلك الليلة، ولكنها كاذبة مُخادعة، وقد جعلته هذه الفكرة يُزمجر بشراسة
_ يبقى بعد كدا ترمي بلاكي على حد غيري، و لو في يوم جمعت بنا الأيام اياكِ تتهميني بالباطل مرة تانية.

يحدُث أن يدعي الإنسان القسوة بينما الضعف يتجلى بوضوح في عينيه هكذا رأته، ولكنه خذلته و كثيرًا لهذا أتقن تزييف الكره في نبرته حين قال
_ و دا إنذار أول و أخير ليكي. ما أن هم بالنهوض من مقعده حتى فاجأه ضحكتها التي كانت تحمل كل معاني السُخرية التي تجلت في نبرتها حين قالت
_ تعرف لو مكنتش عرفت حقيقتك كنت قولت انك ملاك، وانا يا حرام ظلــ,,ـــــماك. بجد عايزة اسقفلك والله. عاد إلى مقعده مرة أخرى، و هو يناظرها بصدمة تجلت في نبرته حين قال
_ نعم!

أكدت على حديثها السابق، ولكن بنبرة مُتألمة خالية تماماً من السخرية
_ بقولك عرفت حقيقتك. بس يا خسارة عرفتها متأخر، و صدقني انا بلعن الظروف اللي خلتني اتحوجلك و تكون انت طوق النجاة الوحيد اللي قدامي عشان اخلص من رأفت! كان الأمر مروعًا بالنسبة إليه تتأجج جمرات الألم داخل صدره فتجعل حتى التنفس شاقًا عليه، ولكن يبدو أن قلبه لم يكفي من الأسى و اللوعة ليقول بنبرة جافة
_ و ايه هي حقيقتي اللي عرفتيها متأخر؟

دوت كلمات آسيا في رأسها، فشعرت بأنها تُريد الخلاص، و تنظيف آثار الماضي لتستطيع أن تحيا من جديد مما جعلها تقول بنبرة قاسية و عينان أشد قسوة
_ انك كداب، و خاين، وغشاش، خنت حبي ليك، و خنت أمانة صاحبك اللي أمنك عليها قبل ما يمو*ت زي ما كنت بتقول. رافقت أخته في الحرام، و انت بتبص في عيني و بتقولي بحبك، و مكفكش لحد كدا. لا دا انت بإيدك خدتها عشان تقـ,ــ,ـتل ابنك، و فكرت أن جر*يمتك هتمو*ت معاه. بس حظك بقى اني كنت بنت حلال، و عرفت عشان الحق نفسي في الوقت المناسب.

بهتت ملامحه و جحظت عينيه. حتى ان أنفاسه احتبست في صدره من هول حديثها الذي جعله يلجأ للصمت عاجزًا عن الحديث للحظات، وكأن عقله يحاول استيعاب ما تفوهت به من جرائم لا يجرؤ على مجرد تخيلها.
مرت دقيقه اثنان وهو صامت وهي تراقبه لا تستطيع تفسير ملامحه، ولكن لم يخفى عليها جمود نظراته التي توحي بمدى صدمته مما جعلها تقول بتهكم
_ ايه اتصدمت اني عارفة ؟ ولا كنت متخيل انك هتقدر تخبي عمايلك! معلش اصل انا زي ما قولتلك طيبة و ربنا بيحبني.

بدأ يستعيد وعيه تدريجيًا، و يعي ما تفوهت به لتحتد عينيه و تشتد ظُلمتها بطريقة اجفلتها و خاصةً أن ملامحه تجهمت بطريقة جعلت عروق رقبته تبرز وهو يقول بهسيس مُرعِب
_ أمانة صاحبي ايه اللي خنتها؟ و جرايم ايه اللي ارتكبتها و ابن مين اللي مو*ته؟
تفشى الرُعب في أوصالها مما جعل رغبة هوجاء بالهرب تُسيطر عليها لتقول باندفاع
_ انا قولت اللي عندي خلاص، و معنديش كلام تاني أقوله. عن اذنك.

ما أن همت بالنهوض من مقعدها هرباً من أمامه تفاجئت بقبــ,,ـــــضة حديدية تُمسِك بمعصمها حتى كادت أن تُحطـ,ـمه و صـ,ـوته القاسي يأمرها بطريقة جعلت جسدها ينتفض أسفل قبــ,,ـــــضته
_ اترزعي هنا، و ردي عليا عشان مكسرش المكان دا فوق دماغك سامعه؟ كادت عظامها أن تتحطم جراء قبــ,,ـــــضته، فشعرت بألم عظيم جعلها تقول بتلعثُم
_ سيب إيدي. هتتكسر في ايدك. زمجر بشراسة افزعتها
_ و هكسر دماغك كمان لو مجاوبتنيش حالًا تقصدي ايه بالكلام دا؟

ضاقت ذرعًا بالألم والخوف اللذان يسكنان صدرها لتهتف بحــ,,ـــــرقة
_ كمان ليك عين تزعقلي؟ ايوا عرفت كل حاجه. مها جت وقالتلي انها على علاقة بيك، وأنها حامل منك، وانك عايزها تنزل اللي في بطنها عشان أنا معرفش. ياسر بصدمة
_مها قالتلك كدا؟ غنى بغل
_ ايوا، و مش بس كدا كمان دانا شوفتها بعيني ويه بتترجاك قدام المستشفى علشان متخليهاش تنزل اللي في بطنها، وانت ولا اهتميت كل اللي كان همك تخلص من جر*يمتك و خلاص.

كانت كلماتها كالخناجر تمزق صدره، فلم يكُن ألمًا جراء غدرها به أو أنين قلبه لاتهاماتها، ولكنه الشعور بالظُلم الذي يجعل أعتى القلوب تخر صريعة، و من شأنه أن يُسقِط أشد الرجال و أكثرهم صلابة كالذي حدث معه، فقد تلاشى كل شيء امامه الآن، و أصبح يراها الخصم الأكثر وضاعة من بين جميع أخصامه ليقول بمرارة و كأن صبارًا نبت في جوفه
_ أنتِ ازاي قادرة تكوني كدا؟ جبتي الحقارة دي كلها منين؟ بقى بتتهميني اتهام قذر زي دا. عشان تبرري لنفسك غدرك و خيا*نتك ليا؟

أوشكت على الحديث فتابع بنبرة قاسية اجفلتها
_ مها اللي بتتهميني فيها زور تبقى اخت يزيد اخويا في الرضاعة. يعني اختي. انا اللي ربتها على أيدي، و بايدي بردو سلمتها لعريسها. جاية تقوليلي اني كنت على علاقة بيها! صمت لثوان قبل أن يُضيف بسخرية مريرة
_ لا وكمان هي اللي جت قالتلك؟ و شوفتيني وهي بتترجاني اني معملش فيها كدا؟ ضحكة ساخرة مزقت جوفه حين تابع
_ دي مها مسمية ابنها على اسمي. دانا اللي بروح اوديلها زياراتها في المواسم.

كانت تناظره بصدمة وهي تسترجع ما حدث، و كأنه حدث البارحة، فهي متأكدة مما تفوهت به، ولكن حديثه و ملامحه التي تكاد تُقسِم بأنها صادقة تجعلها قال قوسين او أدنى من الجنون لذا قالت باستماتة
_ بطل كذب. بقولك شفتها بعنيا وهي بتترمي في حض*نك وهي بتعيط وانت بتشيل ايديها من حوالين رقبتك و بتجرها غصب عنها تدخلها المستشفى.

صمت لثوان يستعيد ذكريات ذلك اليوم قبل أن يقول بجفاء
_ يومها كانت بتعيط و مرعوبة علشان داخله تعمل عملية الزايدة، واتصدمت لما لقيتها بترمي نفسها في حض*ني، و كان لازم اتدارك الموقف. عشان محدش يتكلم عنها نص كلمة، و بعدها اضطريت اني أشدها ادخلها جوا لما هيام ندهت علينا. ازاي ألفتي القصة دي يا غنى ؟

كان الموقف اقسى من أن يتخيله عقل. اصعب من أن يصفه حديث، فملامحه المُتألمة، و عينيه التي تهتز من فرط ما تحمل من عبرات، و كذلك نبرته الجريحة بالإضافة إلى تفسره الذي يبدو منطقيًا جميعها أشياء تؤكد صدق حديثه. مما يجعل شعور أشبه بالجنون يُسيطر عليها بأن تلك الفتاة خدعتها، وهي البلهاء صدقتها، و هاها تقف في مواجهة أسوأ هواجسها، بأنها أضاعت حياته هباءً. _ لا . اكيد لا. انت بتقول كدا عشان تبرأ نفسك. مش محتاج تكذب عليا. لا مش محتاج دا. احنا أصلًا انتهينا. تحــ,,ـــــرق قلبي و تزود نــ,,ـــــاره ليه؟

هكذا أخذت تهتف كمن مسه الجنون وعينيها تذرفان الوجع بسخاء فوق وجنتيها و هي تلوح بيديها هنا وهناك، ولكن بالمقابل كان هو يعيش أسوأ لحظات حياته. حتى أنه لم يعُد يستطيع البقاء أمامها أكثر من ذلك ليقول بنبرة مُلتاعة و كأن الأحرُف تلدغه وهي تمُر عبر شفتيه
_ احنا فعلًا انتهينا. بس أسوأ نهاية ممكن كنت أتوقعها.

انت في الصفحة 4 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى