Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 7

.
مين دي اللي عريسها موجود؟
تحدث مازن بدهشة من حديث علي عن ذلك العريس المزعوم، غير عالم بأن فاطمة قد حدثت علي وأخبرته بطلبه الزواج من أخته. فقال علي بمكر وقد احتضن كتف كارما شقيقته ليغيظه أكثر…
أصل في واحد صاحبي ظابط في الداخلية شافها وأُعجب بيها وطلب إيديها… وأنا وافقت!”
ثم نظر إلى كارما، التي امتقع وجهها من حديثه، وقال:
“وكارما كمان وافقت.”
التقت نظرات مازن وكارما فكانت مشحونة بمختلف أنواع المشاعر: العتاب، والغضــ,,ـب، والحزن، والغيرة، والتوسل. فالتفت مازن إلى علي وأمسك بمقدمة قميصه قائلًا بغضــ,,ـب جحيمي:

“كارما مش هتكون لحد غيري يا علي، سواء وافقت أو لا، وسواء هي وافقت أو لا… وإلا وشرف أمي، هطربق الدنيا دي على دماغكوا!”
غضــ,,ـب علي من لهجته، وسرت بداخله موجة من مشاعر الغيرة على شقيقته؛ فهو يعتبرها بمثابة ابنته، لكن جانبًا آخر منه ابتهج لرؤية مشاعر الحب التي يكنّها مازن لها، فهو صديقه ولن يتمنى لها من هو أفضل منه.
حاول أن يعرف إلى أي مدى متمسك بها، فأمسك هو الآخر بتلابيبه وسط شهقات كارما، التي احتضنتها غرام، وقال بغضــ,,ـب مصطنع:
“إيه؟

هتاخدها غصب عني يا مازن ولا إيه؟”
“هاخدها غصب عن الدنيا بحالها يا علي!”
هُنا دخل أدهم، الذي كان يتظاهر بالحديث في الهاتف كي يظل قريبًا منها، ولم تكن له القدرة على النظر إلى داخل عينيها اللتين تــ,,ـانه عشــ,,ـقًا ووجعًا.
“إيه يا جدعان؟ في إيه؟ صلوا عالنبي! هتضــ,,ـربوا بعض؟”
قال أدهم وهو يحاول فض الشجار بينهم.
فقال مازن وهو على نفس حالة الغضــ,,ـب:
“أنت مش سامع بيقول إيه؟ دا عايز يجوزها لواحد غيري!

ده أنا أروح فيكوا في داهية!”
كان علي يقاوم الضحك بصعوبة بالغة وهو يرى مازن على تلك الحالة من الغضــ,,ـب، فلم يستطع التحكم في رجفة شفتيه، التي لاحظتها على الفور تلك الشقية غرام، لتفهم ما يفعله أخوها.
أرسلت له غمزة شقية واندفعت تجاهه، مارةً بذلك الذي ما إن لفحته رائحتها، ولامست وجهه بعض خصلات من شعرها الذي يعشــ,,ـقه، حتى غلت الدماء في عروقه وتكونت بعض قطرات العرق على جبينه، تحكي ما يعانيه قلبه من فرط رغبته بها.

وما زاد الوضع سوءًا وقوفها بالمنتصف بين أخيها وبينه، لتصبح على بُعد سنتيمترات قليلة منه، فتجمعت جميع جيوش شوقه الضارية لها، وجيوش غضــ,,ـبه منها، وجيوش ندمه على ما فعله معها، فتكوّن ذلك المثلث المرعب القادر على إيصاله إلى حافة الجنون.
إن كانت تفعل كل هذا لتعاقبه على فعلته معها فقد نجحت وببراعة؛ فلا سلاح أقوى من أن يستخدم أحد مشاعرك العميقة نحوك ليعاقبك بها. في هذا الوضع تصبح هالكًا لا محالة.
“وأنا مع علي بصراحة.

الجوازة دي إحنا مش موافقين عليها، وكمان العريس اللي متقدملها كويس جدًا، ومستحيل حد عاقل يرفضه.”
“غرام، اخرجي من الموضوع دا عشان ما نخسرش بعض!”
صرخ بها مازن، مما زاد من اشتعال أدهم الذي خرج الحديث من فمه دون أن تكون له القدرة على إيقافه:

“أنت بتزعقلها كده ليه؟!”
تصنم جميعهم من اندفاع أدهم وغضــ,,ـبه بهذا الشكل، وكلمــ,,ـاته التي ألقت بذور الشك في عقل علي، والرعب في قلب كارما من معرفة أخيها بما حدث، وصدمة في قلب تلك التي ترتدي ثوب المكر منذ أن رأته اليوم، حتى أقسمت أن تجعله يعض أصــ,,ـابعه ندمًا على ما اقترفه بحقها، وهي للآن ناجحة وبامتياز.
لكن اندفاعه للدفاع عنها بتلك الطريقة زلزل قلبها الذي اشتاقه كثيرًا، وبعثر أفكارها للحظات، قبل أن تنفض كل هذا جانبًا متجاهلة صخب قلبها، محاولةً ألا تتأثر ملامح وجهها بتلك الحرب الداخلية، وقد نجحت في ذلك بصعوبة.

“إحنا في مستشفى، ما ينفعش تزعق كده. لو في مشكلة حلّها بهدوء، مش بالزعيق والخناق.”
تحدث أدهم محاولًا تغيير دفة كلمــ,,ـاته التي عرّت قلبه الذي يعشــ,,ـق تلك المرأة، وقد فشلت كل محاولاته في انتزاعها منه واــ,,ـاع عشــ,,ـقها من داخله؛ فالآن أدرك أن نسيانها أصبح دربًا من دروب المستحيل.
“بص يا صاحبي… أنا بحب أختك وعايز أتجوزها، ومستعد لكل اللي تطلبه.”
تحدث مازن من بين أسنانه محاولًا التمسك بآخر ذرة عقل لديه، ليقول علي بهدوء مستفز:

“بتحبها أوي يعني؟”
“همــ,,ـوت من غيرها!”
قالها مازن بصدق وتوسل آلم قلب كارما، التي كانت تشاهد ما يحدث، وكل ذرة من جسدها ترتجف خوفًا من أن يفرقهما القدر مرة ثانية.
ظل علي قرابة الثلاثين ثانية ينظر إلى مازن، الذي كان يشعر بأن دموعه على وشك خيانته والنزول؛ فها هو أكثر شيء يخشى فقدانه في الحياة يكاد أن يُنتزع منه.

أخيرًا قرر علي الحديث بعد أن رأى حالته، فاختار وضع حدٍّ لمعاناته، فالتفت يده حول عنق غرام، التي شعرت بما ينتوي على قوله، فانفلتت ضحكة ناعمة منها لعبت على أوتار كبرياء ذلك الرجل، الذي بدأت حصونه جميعها بالانهيار أمام تحديها المبطن له.
“خلاص يا ابني، صعبت عليا وقطعت قلبي. مش كده يا ميمو ولا إيه؟”
تحدث علي بمرح تشاطره إياه تلك الشقية، لترد بحزن مصطنع:
“آه والله يا لول، صعب عليا أنا كمان أوي.”
ضيّق مازن عينيه وقد شعر بما يُحاك ضده، فقــ,,ـبض جبينه قائلًا بتوعد:

“دانتوا بتشتغلوني بقى!”
قهقهة رجولية تبعتها ضحكات نسائية ناعمة خرجت من علي وغرام، ليقول علي بسخــ,,ـرية:
“آه، بنشتغلك براحتنا… عندك مانع؟”
“أفهم من كده إيه؟”
قالها مازن بهمْس خطــ,,ـير، فهو أراد أن يصل إلى مبتغاه أولًا ثم يأخذ بثأره.
“بصراحة يا مازن… مش عارف إيه اللي عاجبها فيك وإنت بالغباء ده!”
تحدث علي، ثم أكدت غرام حديثه قائلة:
“ولا أنا بصراحة… يا ابني، بيقولك صعبت عليه يعني قرر يجوزها لك خلاص!”
“أهي الأوزعة اللي ما تجيش لحد كتفك قالتها لك أهي!”
– يعني أنتَ موافق على جوازي منها ودي كانت تمثيلية؟

“بصراحة آه، حبيت ألعب بأعصــ,,ـابك شوية.”
لكمة كاد أن يتلقّاها وجه علي لولا أن تنبّه لذلك الوميض الخطــ,,ـير في عيني صديقه، فتفاداها في آخر لحظة قائلاً بدهشة:
“إيه يا د، انت اتجننت؟”
“ده أنا هوريك الجنَان على أصوله.. ويكون في علمك: أنا كده كده هتجوزها، وافقت أو لأ!”
ألقى بكلمــ,,ـاته وانطلق غاضبًا لا يدري وجهته، فقط يريد التنفيس عن ذلك الغضــ,,ـب الأعمى الذي تملّكه، فلحق به علي قائلاً:
“استنى يا د يا أهبل!
كارما، غرام، ادخلوا عند ماما وكاميليا، وأنا هشوف المجنون ده رايح فين.”
ثم التفت لأدهم قائلاً:

“هتيجي معايا نشوف المجنون ده؟”
“لا، أنا هشوف كاميليا وأطّمن عليها.”
قال أدهم بلهفة، فهو يودّ لو ينفرد بمعذِّبة فؤاده، لا يعرف ماذا سيفعل أو ما سيقول، لكنه يريد أن يُسكِت نيران الاشتياق التي تعصف بداخله.
“تمام، هروح أشوفه وارجعلكوا.”
قالها علي وهو يلحق بمازن، تزامنًا مع ارتفاع رنين هاتف كارما، ولم يكن سوى مازن. فأجابت على الفور وتحركت إلى ركن منعزل حتى تستطيع الرد عليه.
همّت غرام بالدخول إلى غرفة كاميليا حتى أوقفتها تلك اليد التي قــ,,ـبضت على رسغها بقوة آلمتها، فالتفتت لتصطدم عيناها بذلك الجحيم المرتسم في عينيه اللتين كان قلبها يهيم بهما عشــ,,ـقًا.

“سيبني!”
قالتها غرام بقوة واهية، تحاول أن تدفعه عنها حتى لا تنهار أمامه.
لم يعرف لماذا أوقفها، ولم يجد في جوفه ما يمكن أن ينقذ به كبرياءه الذي خضع لأوامر قلبه وتنحّى جانبًا، ليجد نفسه يقول بلا وعي، وبغيرة قاتلة تحكي مقدار عشــ,,ـقه لها:
“إنتِ إزاي تسيبي مازن يقرب منك كده؟”
“وده يخصّك في إيه؟”
مجرد كلمــ,,ـات بسيطة منها أصــ,,ـابت كبرياءه في الصميم، وجعلت الكلمــ,,ـات تتعثر في حلقه. فأي كلام يمكن أن يقوله من دون المساس بتلك الحقيقة الشائكة، لكونها تنتمي إليه كروح ثانية له؟

قالت كلمــ,,ـاتها ببرود عكس تلك النيران التي تشتعل بقلبها وتتجلّى بوضوح في عينيها المشتاقتَين له والغاضبتَين منه، لتجد ذلك المجنون يقترب منها حتى لم يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة، ليقول من بين أسنانه وقد أعمت الغيرة عينيه:
“يخصني..! وأي حاجة تخصّك تخصّني! فاهمة؟”
قست عيناها وكذلك نبرتها حين قالت:
“لا، مش فاهمة ومش عايزة أفهم. سيب إيدي… وأوعي تفكّر تقرب مني تاني!”
“وإن ما سبتهاش هتعملي إيه؟”
لا يدري ماذا يقول، وأي لعنة تُجبره على الإمساك بها بهذه الطريقة. كل ما يريده أن تظل بجانبه، فقد اشتاقها حد الجحيم.

كان يبحث في عقله عن أي شيء يمكن أن يبرر لها حماقة أفعاله، لكن تظل حقيقة واحدة متجلّية أمام عينيه: أن عشــ,,ـقه لتلك المرأة لا هروب منه.
حاولت نزع يدها من قــ,,ـبضته القوية، فما زاده ذلك إلا اقترابًا منها، وما زاده سوى جنونًا بها، ليجد نفسه يقترب أكثر، يهمس بلا وعي من سُكرة قربها:
“وحشتيني أوي يا غرامي…”
قفز قلبها بين ضلوعها من شدة التأثر بقربه بهذا الشكل، وزادت من جنون دقاته تلك الكلمــ,,ـات التي صرّح بها عن اشتياقه لها.
لكن مهلاً، فهو أبدًا لا يعرف الحب، وما فعله بها لا يُغتفر.

لتقول بكبرياء أنثى لا تعرف الهزيمة طريقًا لها:
“بس إنت موحشتنيش!”
“كدابة… لو مكنتش وحشتك مكنتيش جيتي هنا.”
تحدث قلبه الذي أسكره قربه منها بتلك الطريقة، وقد نسي كل ما يدور حوله ولم يتذكر سوى ارتجافها بقربه.
فقد كان يريد الارتواء من شهد عشــ,,ـقها الذي خرج عن حدود سيطرته، لتفاجئه بتخلصها من ذراعيه بلمح البصر، فهي لاعبة كاراتيه وقد نسي هذا مؤخرًا.
تسليمها له وذوبانها بجانبه سابقًا كان بفعل العشــ,,ـق، لكن الآن هو في نظرها مجرد وغد لا يستحق ذرة حب واحدة.
تبعت حركتها تلك بضحكة ساخرة وهي تقول بلهجة مدللة خطــ,,ـيرة:
“تؤ تؤ…

حسبتها المرادي غلط يا أدهم بيه.
لو كنت وحشتني أو حتى كنت فِكراك، كان زماني هناك في إسكندرية قاعدة يا حرام بعيط عشان حبيت واحد طلع واطي وما يستاهلنيش.
بس أنا هنا أهو، وشيفاك عادي… وأقل من العادي كمان. وزي ما إنت شايف.”
ثم قامت بتمرير أصــ,,ـابعها في مقدمة شعرها وقلبته للجهة الأخرى في حركة مُدللة مثيرة، أودت بثباته إلى الهلاك، وأردفت بعد أن تأكدت من وصولها لمبتغاها:
“ضحكتي منوّرة وشي، وبهزر وبتنطّط، وكإن الكام يوم اللي فاتوا دول ما مرّوش عليا أصلًا.”
ثم أتبعَت كلامها بغمزة شقية من عينيها الساحرتين وقالت بتهكم:

“ها، لسه برضو مصدّق إنك يا حرام واحشني أو إني ممكن أكون بفكر فيك أصلاً؟!”
تلقّى كلمــ,,ـاتها بصدمة سرعان ما تحولت لنيران حارقة من احتمال أن يكون حديثها حقيقة.
يعلم أنه قد آذاها بشدة، وأنه يستحق أقسى أنواع العقاب، لكن ليس أن يُعاقب بفقدانها الذي كان قد اختاره في لحظة غباء سلّم فيها نفسه لشياطينه، وهو الآن يرفضه من كل قلبه.
قلبه الذي ضــ,,ـربته كلمــ,,ـاتها في الصميم، ليشعر بذلك الألم القاتل يجتاح كيانه.
فلأول مرة في حياته يفقد السيطرة على نفسه، فتمتد يده تؤلم رسغها بقوة، ويتحدث قلبه الذي يرفض حقيقة نكرانها لوجوده:

“باين أوي في عينيكِ إنك بتكذبي… وكلامك ده عشان اللي حصل بينا آخر مرة…”
قال جملته الأخيرة بنبرة ألم تجلّت في عينيه، لتجعل قلبها يهتز؛ فهي لامست ندمه، لكنها أبت التراجع وقالت بوجع مغلَّف بالسخــ,,ـرية:
“الكلام ده اللي بتضحك بيه على نفسك عشان توهمها إنك لسه جوايا.
واللي حصل بينا آخر مرة ده…

عقابه اللي إنت فيه دلوقتي، إنك تبقى هتتجنن عليا كده في الوقت اللي أنا فيه نسيتك كأنك ما مرّيتش عليا أصلًا.”
أعلم مقدار الوجع الذي تحكيه عيناك عن معاناتك في غيابي،
وأعلم أنّ رجفة يديك المتشبِّثة بي سببها ذلك الكمّ الهائل من الألم المتبوع بفقداني،
لكنّي حتمًا لن أغفر!
فمرارة الخذلان أصبحت مُلتصقة بحلقي وكأنها خُلِقت معه،
وذلك السهم المغروز في منتصف قلبي ما زال ينزف بغزارة،
يُذكّرني بما عانته ذاتي بين يديك.
فلتتجرّع إذن بعضًا ممّا جعلتني أُعانيه بسببك…

نورهان العشري
تابع الجزء الثاني من الفصل
كان رحيم في غرفة مكتبه يدقّق النظر في تلك الأوراق الخاصّة بمجموعة شركاته، والتي تدلّ على بداية انهيار تلك الإمبراطورية العظيمة التي كلّفه بناؤها حياته بأكملها.
وفجأة اقتحم يوسف المكتب وهو في أقصى مراحل غضــ,,ـبه، ليقول بحدّة وصوتٍ أشبه بالصراخ:
روحت المستشفى عند كاميليا تعمل إيه يا جدي؟!
بقالك قد إيه ما شفتش جدّك عشان تيجي تتخانق معايا كده يا يوسف؟
ما تجاوبش على سؤالي بسؤال، رد عليّا.
روحت أطمن عليها، إيه فيها؟ بلاش…؟
قالها رحيم بارتباك لم يَخفَ على يوسف، برغم محاولته الثبات.

وكنت واخد سميرة معاك برضه عشان تطمن عليها؟
تحدّث يوسف بسخــ,,ـرية أغضــ,,ـبت رحيم بشدّة، فقال من بين أسنانه:
إنت بتتكلم كأننا أعداؤك، مش جدّك ومرات عمّك!
إيه اللي مش قادر تفهمه في إن كاميليا تخصّني؟!
قالها يوسف بغضــ,,ـب، فزجره رحيم بعنــ,,ـف:
حتى بعد ما هربت وكسرت قلبك وكسرت هيبتك قدّامنا كلنا؟!
استقرّ الحديث في منتصف كبريائه، فهو محقّ في كلامه، لكنه لا يملك أي سلطة على قلبه الذي يعشــ,,ـقها حتى النخاع.
حاول لملمة ذاته التي تبعثرت وتأذت بشدّة من تذكير جده له بهروبها، وقال بهدوءٍ يناقض حالته قبل لحظات:

دي حاجة تخصّني أنا، ما تخصّش حد. ولو الكلام ده اتقال تاني، أنا مستعد أوريكم كلكم هيبتي عاملة إزاي وإنها ما تأثرتش ولا سنتي واحدة. وإنت عارف أنا أقدر أعمل إيه!
تأثّر رحيم بنبرة صوت يوسف التي تغيّرت، وبذلك الألم الذي ارتسم في عينيه للحظات قبل أن يغلفهما بالجمود الذي تخفي خلفه جراحًا لا تندمل، وقال بلهجة حانية:
يا ابني، أنا مقدرش أضايقك. بس أنا حذّرتك كتير إن عمر الخير ما هييجي من ورا الجوازة دي. وصعبان عليّا كسرة قلبك اللي لو داريتها عن الناس كلها، مش هتقدر تداريها عني.
تحدّث يوسف بنفس نبرته الهادئة، لكن يتخللها الصرامة:

أنا مش عايز منك حاجة غير إنك تبعد عنها وما تحاولش تأذيها، ده لو مش عايز تضايقني فعلًا.
ثم تحوّلت نبرته إلى الشراسة عندما أردف:
وسميرة تعرف إنها لو فكّرت بس تضايقها ولو بكلمة، همحيها من على وشّ الدنيا.
برضه لسه مصرّ تحميها؟ هي عاملة فيك إيه يا ابن زهرة؟
قال رحيم بغضــ,,ـب من استبسال يوسف في حمايتها، فردّ يوسف من بين أسنانه:
كاميليا مراتي… عارف يعني إيه مراتي؟
لسه ما بقتش مراتك، ده مجرد كتب كتاب يعني ممكن تطلّقها ونخلص.
مش هيحصل! أنا هعيش وأمــ,,ـوت وهي مراتي، ومحدش هيقدر يغيّر ده.

فياريت كل واحد يخليه في نفسه، عشان صدّقني مش هرحم أي حد يحاول يتدخّل بينا.
تحدّث يوسف بنبرة قاطعة جعلت رحيم يكاد ينفجر غضــ,,ـبًا، فالتفت وقذف تلك الأوراق على المكتب أمامه قائلاً:
الموضوع ده ما عادش يهمّني من اللحظة دي. بس مش هسيب بنت زهرة تخليك تهدّ اللي قعدت سنين أبنيه.
لم يكلف يوسف نفسه عناء إلقاء نظرة على الأوراق، وقال ببرود:
أنا عارف شغلي كويس، ومفيش حاجة هتلهيني عنه.
زاد غضــ,,ـب رحيم من لهجته الباردة وقال بسخــ,,ـرية:
ما هو واضح… بأمارة الصفقتين اللي خسرناهم والمناقصة اللي ضاعت مننا. فاضل إيه تاني؟!

لو شايف إني ما أقدرش أدير شركاتك، تقدر من دلوقتي تشوف حد غيري يديرها، وصدقني هكون شاكر جدًا لأفضالك.
ضاق ذرعًا من عناده فصاح بغضــ,,ـب:
يوسف، بلاش تتحدّاني. إحنا الاتنين زي بعض وشبه بعض، والحرب بينا مش هتكون سهلة أبدًا!
أتمنى تقول الكلام ده لنفسك يا رحيم بيه. عشان إنت خسرت قبل كده وسهل تخسر تاني. لكن أنا عمري أبدًا ما خسرت… ولا هخسر.
إنت بتخسر فعلًا… طول ما إنت عامي عقلك وسايب قلبك يمشيك ورا بنت زهرة هتفضل تخسر طول عمرك.
تقريبًا زهرة دي مرات ابنك!
قالها يوسف بسخــ,,ـرية، فردّ رحيم بغضــ,,ـب كبير:

زهرة دي دمّرت ولادي الاتنين! خدتهم مني، فاااااهم؟!
واحد مــ,,ـات بسببها، والتاني خرج عن طوعي ومبقاش شايف حد في الدنيا بعدها!
تحدّث يوسف بقسوة:
عرفت بقى مين اللي خسر؟ أنا عارف بعمل إيه كويس، ومش هقبل إن حد يتدخّل في حياتي، ولا هقبل إن حد يفكّر يمسّ شعرة من كاميليا.
أنهى حديثه وسار نحو باب الغرفة، ليفاجئه رحيم بتلك الكلمــ,,ـات التي استقرت كخناجر في قلبه، تذكّره بذلك الذنب الذي حتمًا سيجعل اجتماعهم ثانيةً دربًا من دروب المستحيل:
ولما إنت بتحبها أوي كده… عملت اللي عملته ده ليه؟

***************
‐ خمس دقايق وانزلي لي تحت يا كارما.
كان هذا صوت مازن الذي كان الغضــ,,ـب يأكله من الداخل، ولن يقدر على امتصاصه سواها،
لتصطدم نيران غضــ,,ـبه بلهجتها الحانية وكلمــ,,ـاتها التي أربكته وأطفأت نيرانه بنسيم حبها.
بحبك قوي يا مازن.
لا والله! بتضحكي عليَّ بكلمتين؟
تحدث مازن بعد أن حاول التحكم في ذاته التي بعثرتها كلمــ,,ـاتها، فهتفت بلهفة:
لأ والله، بحبك قوي.
وبعدين يعني؟
قالها بكبرياءٍ أبى التراجع، فأجابته برقة:
ومقدّرش أعيش لحظة واحدة من غيرك.

طال صمته، فقد كان يريد أن يستمع إلى المزيد من كلمــ,,ـاتها التي تُحلّق بقلبه فوق السماء،
لتستجيب لذلك النداء الصامت من قلبه وتردف:
عارف؟ أجمل حاجة في الدنيا إنك تحب، بس اللي أجمل وأجمل إنك تلاقي اللي بتحبه بايع الدنيا كلها وشاريك،
مستعد يحارب ويفوت في الحديد عشان خاطرك. قبل موقفي مع علي كنت بحبك، بس دلوقتي بعشــ,,ـقك يا مازن.
شعرت بصمته الذي دام أكثر من نصف دقيقة، ثم تحدث بصوت أجش:
إنتِ فين؟
لم يستطع أن يجيبها بالكلمــ,,ـات، بل سيجعلها ترى مدى عشــ,,ـقه لها، وماذا فعلت به كلمــ,,ـاتها.
إنت هتعمل إيه يا مجنون؟

إنتِ فين يا كارما؟
مازن، اعقل! علي نازل يدور عليك…
لآخر مرة هسألك، إنتِ فين؟
أنا في الدور التاني، نزلت عشان أبعد عن الدوشة وأعرف أكلمك.
ما إن أنهت كلمــ,,ـاتها حتى وجدت تلك اليد التي جذبتها، ساحبةً إياها إلى تلك الغرفة الفارغة،
لتتسع عيناها من فرط الصدمة.
احتواها بتملك، ووضع رأسه بين حنايا دفئها مستنشقًا عبيرها الأخّاذ،
لتتحول صدمتها تلقائيًا إلى خجل كبير.
أخذ مازن ينثر عشــ,,ـقه على ملامحها وهو مخدَّر تمامًا،
إلى أن شعر بها تتململ بجانبه، فرفع رأسه وألصق جبهته بجبهتها قائلًا بعشــ,,ـق:

سمعيني كده اللي قولتيه في التليفون من شوية.
مازن، أوعى…
تحدثت بصوت مهزوز من فرط المشاعر التي عصفت بها، ليقول بحب:
كنتِ بتقولي إنك بتحبيني… وإيه كمان؟
عاندته بخجل:
مازن، بطّل بقى.
همس أمام عينيها بنبرة تقطر عشــ,,ـقًا:
بحبك أنا، طيب.
وعلى قدر عشــ,,ـقها له، على قدر خوفها من هذا الضعف الذي يعتريها بجانبه.
لو ما بعدتش، هخاصمك.
مقدرش.
تدللت قائلة:
بتقدر.
والله ما بقدر…
حاولت التماسك أمام سحره قائلة بقوة مصطنعة:

لو ما سبتنيش أخرج دلوقتي أنا هــ…
ابتلع باقي حروفها بين أمواج عشــ,,ـقه،
لتصمت الأفواه وتتحدث القلوب، بل وتذوبا معًا من فرط العشــ,,ـق الكبير الذي أصبح يتحكّم حتى في الهواء المحيط بهما.
****************
وبعدين يا كاميليا، هتفضلي معذِّبة نفسك كتير كده يا بنتي؟
كان هذا صوت فاطمة التي كان قلبها يتمزّق على حال ابنة أختها،
وصوت شهقاتها الذي لم يهدأ منذ أن غادر يوسف بتلك الطريقة الغاضبة.
أردفت فاطمة بعد أن طال صمتها:
يا بنتي، ردي عليَّ. مالك؟ فيكِ إيه؟ وعاملة في نفسك وفي جوزك كده ليه؟
إحنا خلاص هنطلّق يا خالتي.

تحدثت كاميليا بألم، فقد مزقتها تلك الكلمة التي لطالما تمنّت سماعها،
لكنها الآن مجبرة على التضحية بها في سبيل من تحب.
هتطلّقوا عشان غبائك يا كاميليا!

انت في الصفحة 2 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى