Uncategorized

فارس بلا مأوى ٦

كادت تبتعد فأوقفها مرة أخري،  واضعاً يديه علي كتفيها:
_ أنتي واثقه أن كل كلمة قولتها دلوقت صح، قربك مني دي مش مجرد صحوبيه زي ما قولتي، أنتي بتبادليني نفس المشاعر بس جواكي حاجز مانعك،  نفسي أعرف أي هو،  مش عايزه تصارحيني ليه كل مابسألك فيه حد تاني في حياتك علي طول تقوليلي لاء. ما كان منها سوي أن تنظر ولا تتحدث ، لاتريد البوح له بأن تربطها علاقة خطبة برجل آخر حتي  لاينظر لها بإزدراء ويحتقرها، يكفيها شعور جلد الذات الملازم لها طوال الوقت،  وتتهرب منه بشتي الطرق.

_ ساكته ليه ما تجاوبي علي سؤالي؟.
لم يمهلها الإجابة فأردف بنظرات توسل:

_ أوعي تكوني بتضحكي عليا، متعرفيش أنتي بقيتي أي بالنسبه لي، أنا بعشقك أوي يا ندي، و مستني أخلص الدراسة بفارغ الصبر وأشتغل وأجي أطلب أيدك من أهلك، والي هيطلبوه مني أنا تحت أمرهم، أنا أي نعم علي أد حالي بس الحمدلله بابا الله يرحمه كان شاري شقة صغيرة في دار السلام، هانبتدي فيها حياتنا مؤقتاً لحد ماربنا يكرمني ونشتري شقة أكبر في حدايق المعادي وياعالم ربنا يكرمني من وسع ونشتري في التجمع أو زايد، المهم نكون مع بعض ، و دورك بقي لحد ما أجيلكو البيت أنك ترفضي أي حد هيتقدملك من بره بره.

رأت في عينيه توسل ورجاء أكثر من كونه طلب، وقعت في حيرة لاتريد أن تحطم فؤاده وفي ذات الوقت لا تريد أن تُعطِ له أملاً واهياً ، وبالنهاية هزت رأسها بتلقائية كدليل علي الموافقة.
تهللت أساريره وألتمعت عسليتيه التي تنضح بسعادة عارمة، لم يصدق ما رآه للتو،  سألها بللهفة:
_ بجد موافقة؟. أزدردت ريقها في تردد، فأجابت:
_ مش هاقدر أديلك إجابة نهائية،  لسه الأول لما أشوف بابا وماما ورأيهم أي. _ أهم حاجة أنتي،  لو موافقة هم كمان هيوافقو حتي لو أعترضو دورك هنا تقنعيهم،  أتفقنا؟.

ردت بهمس وكأنها مُغيبة:
_ أتفقنا. وما أن تفوهت بها غمرته سعادة وصلت لعنان السماء، باغتها بمعانقة قوية كعناق المغترب عند رؤية أحبائه وكإحتضان النجوم للسماء وكالقاء عاشقين بعد طول فراق.
أخذ يردد علي سمعها فيض مشاعره:
_ بحبك،  بحبك أوي.

وكلما يخبرها كلما يشتد عانقه لها، أبعد رأسها عن صدره لينظر في عينيها الشاردة، تجرع ريقه قبل أن يقدم علي تلك الخطوة، تلك المرة الأولي في تقاربه الجسدي مع من سلبت لبه، فعشقه لها يهيمن علي حواسه ليجد شفاه تنجذب لخاصتها، يختبر معها أول قبلة وأول عناق، سار بها ومازال يقبلها نحو الأريكة، بينما هي كانت في أشد لحظات ضعفها لم تفق منها سوي عندما وجدت نفسها تمدت علي الأريكة وهو يعتليها ملتصقاً بها …
صدح رنين جرس المنزل بشكل متكرر ليجعله يعود من حقيبة ذكرياته معها، فنهض من الحوض وتناول منشفة قطنية قام بتجفيف جسده بعشوائية فتناول منشفة أخري

علي عجاله يلفها حول خصره ليسرع ويري من الزائر!. و ما أن فتح باب الشقة، أصابته دهشة، لم يصدق تلك التي تقف أمامه:
_ أنتي!، ليكي عين توريني وشك بعد الي عملتيه معايا في المكتب!. نظرت لأسفل بخجل من هيئته،  ولم تعقب علي كلماته سوي بسؤال ترجوه:
_ ممكن أخد من وقتك عشر دقايق؟. رفع جانب فمه فأجاب علي مضض مشيراً إليها للداخل:
_ أتفضلي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولجت وهي تختلس بعض النظرات إليه، كم يغمرها الشوق والحنين لكن كلما تذكرت رفضه المُستميت وأهانته لها يختلجها شعور الإنتقام والثأر لكرامتها.

_ أدخلي أستنيني في الليڤنج روم عقبال ما ألبس هدومي و أجي لك.
كان يشير لها إلي الغرفة و ذهب إلي غرفته،  بينما هي دخلت تتأمل كل ما يحيط بها،  تمنت لو كان هذا منزل الزوجية الذي يجمعها بالرجل الوحيد الذي أحبته ولا تريد سواه. وبعد دقائق قليلة دلف إليها قائلاً:
_ تحبي تشربي عصير ولا كوفي؟. رفعت عينيها لتجده أرتدي قميص وبنطال قطني يظهران عضلات جسده الرياضي، غرت فاهها عندما رأت تلك الكدمات المتفرقة علي أنحاء وجهه وشريط لاصق علي أنفه.
لاحظ تحديقها في معالم وجهه المصابة، زفر بنفاذ صبر وقال متأففاً:
_ هتفضلي مبحلقه فيا كده كتير!.

أنتبهت إليه وملامحه الممتعضة من عدم ردها علي سؤاله:
_ ماتتعبش نفسك وتعالي أقعد، أنا مش جاية أتضايف. تنهد من أعماقه الدفينه وجلس مقابلها:
_ خير؟. لم تعرف من أين تبدأ، كان لديها الكثير من الأحاديث علي لسانها، لكنها شعرت وكأن هناك  من يلجمه، هيهات وشرعت في الحديث متصنعة الحزن من أجله:
_ أولاً ألف حمدالله على سلامتك. تفوهت بها ثم صمتت لثوان، بينما هو قد نفذ صبره وأنتفخت أوادجه، فسألها بصوت به بعض الحدية:
_ عرفنا خلاص أولاً وبقولك الله يسلمك وشكراً علي إهتمامك، ثانياً أي بقي عشان مش فاضي ومعنديش وقت؟.

أبتلعت غصتها بعدما شعرت بعدم رغبته في الجلوس أو التحدث معها، أجابت بخفوت:
_ أنا هربت من بيتنا بقالي كام يوم وماينفعش أرجع خالص. إبتسامة هاكمة لاحت علي ثغره:
_ و جاية عشان تستخبي عندي ولا أي بالظبط؟. رفعت إحدي حاجبيها تنتظر ردة فعله علي ما ستلقيه عليه:
_ لاء يا خفيف، أنا هربت عشان ماما وأخويا عايزين يجوزوني بالعافيه.

أدرك ما ترنو إليه، نهض يحدقها بغضب، يطلق زفرة إستعداداً لما سيلقنها إياه من حديث قاسي:
_ وحضرتك جايه لي طبعاً عشان تقوليلي الكلمتين بتوع المرة الي فاتت، وأنا بقولك لاء يا مروة مش هاتجوزك، ريحي نفسك بقي وحافظي علي كرامتك ل……. وقفت لتقاطعه بإندفاع:
_ أنا حامل. وقعت الكلمة علي سمعه جعلته يصمت غير مصدق لما تفوهت به، رد بإنكار:
_ كدابة، بتقولي كده عشان ترغميني علي الجواز منك. أمسكت حقيبة يدها وأخرجت منها ورقة مطوية، قامت بفردها لتعطيها له:
_ ده نتيجة تحليل الدم الي لسه عملاه قبل ما أجي لك، طلع Positive.

أختطف منها الورقة ليقرأ مابها، فأردفت:
_ ولو عايز تتأكد من كلامي إسم وعنوان المعمل عندك في الورقة. جحظت عينيه وظلت مُسلطة علي كلمة إيجابي بالإنجليزية.
_ إزاي ده حصل؟. صاحت بتعجب وسخط علي قوله:
_ نعم يا حبيبي!، أومال كنت فاكر نتيجة الي هببته معايا ده هيبقي أي إن شاء الله!. ألقي الورقة جانباً وهدر بها:
_ الي حصل مابينا  مكنش مقصود أبداً، أنتي الي أستغليتي الحالة الي أنا كنت فيها وقربتي مني وأنا سكران، ليه ما أتمنعتيش وقتها وبعدتي!،ليه أتجاوبتي معايا وسلمت لي نفسك وعارفة إن شايفك في لحظتها هي!.

كانت تكبت عبراتها ريثما لا تضعف أمامه مرة أخري ويري مدي هشاشتها، فقد فاض بها حتي أجهشت بالبكاء وهي تجلس علي أقرب كرسي:

_ ما أتمنعتش عشان كنت في أشد لحظات ضعفي وأنا في حضنك، ما بعدتش برغم إن عارفة أنك فاكرني هي لكن قلبي كان محتاج يحس ولو بلمسة حنان منك حتي لو مكنتش ليا، قلبي هو الي أستسلم لك لأن عقلي كان مُغيب، وللأسف فوقت بعد ما ضعت وياريت خسرت حاجة واحدة، ده أنا خسرت قلبي و شرفي ونفسي، خلاص أنا ضعت والفرصة الأخيرة ليا هو أنت، أنت الأمل الوحيد الي ممكن أتراجع عن كل الي عملته وهاعمله وأبدأ حياتي من جديد.

نهضت لتقف أمامه وأمسكت يده بين يديها تتوسله:
_ أرجوك يا علي متتخلاش عني،  أدي لقلبك فرصة مع الي بتحبك والي هتخلي حياتك جنة،  وتتمني رضاك،  أنا الي بحبك وبعشق التراب الي بتمشي عليه، لكن هي مابتحبكش، سيب نفسك ليا وأنا هنسيهالك وهاتكتشف أنك كنت مخدوع كل السنين الي فاتت، أنا هافضل معاك مهما حصل وعمري ما هتخلي عنك.

ينظر في عينيها الباكية التي ذكرته بحاله منذ سنوات، كم كان هو حينها كالجريح يحتاج إلي من يداويه ويحتويه، تركته من عشقها وهو في أشد الإحتياج إليها، وأكثر ما جعله كالذبيح الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة عندما علم بزواجها من آخر، تباً لهذا الحب الذي يجعل صاحبه ذليلاً مقهوراً. شعر بذنب نحو التي أمامه، كيف له أن يجعلها تصل إلي تلك الحالة التي كلما يتذكر حالته عندما كان بمكانها يكره قلبه ويلعن نفسه، يا لسخرية القدر، فقلبه آسير صديقتها وقلبها آسير له، لما لاتسير الأمور كما نريد، لماذا لا نملك أمر أفئدتنا بدلاً من جعلها هي التي تملكنا!.

أنحني قليلاً إليها ليعانقها، وأخذ يمسد ظهرها لتهدأتها:
_ خلاص، بطلي عياط، وكل الي أنتي عيزاه هيحصل. أنتفضت كمن لدغها عقرب لم تصدق أذنها:
_ بتتكلم بجد، هاتتجوزني؟. أومأ لها بالإيجاب قائلاً:
_ مفيش حل للي أنتي فيه غير كده، بس…. صمت ليفكر فيما سيخبرها به وهو أن قلبه ملك الأخري وليس هي، تلك الحقيقة التي لم تتغير بتاً ، لكنه ترأف بحالتها التي كانت كالغريق الذي يتعلق بقشة لتنقذه من الموت المحتوم.
أردف بإبتسامة مصتنعة:
_ بس كده، ولا أنتي ليكي رأي تاني؟.

أنبلجت السعادة علي وجهها بعدما أفتقدتها لسنين منصرمة، تتمني أن ما قاله يكن واقعاً وليس أحلاماً كالتي تراها في منامها يومياً، عانقته بقوة صارخه بفرح عارم:
_ موافقة طبعاً، ده رأيي من وقت ماقلبي دق لك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ تسير في رواق طويل تتفرع منه الغرف الخاصة بعمل التدليك، حتي توقفت أمام آخر غرفة وطرقت الباب فأتاها صوتها من الداخل:
_ تفضلِ ساندرا. ولجت لتجدها مازالت تجلس علي الكرسي والطعام المتراص أمامها لم يؤكل منه شيئاً:
_ ما هذا زينب!، لما لاتأكلِ؟.

_ لا أريد شيئاً سوي أن أرحل من هنا بأسرع وقت.
قالتها وأحتضنت حقيبتها، ردت الأخري وبسمة لمعت علي شفاها:
_ أطمأنِ،  سوف ترحلين في خلال ساعة من الآن. أتسعت عينيها في ترقب لمعرفة السبب:
_ كيف؟. أخرجت من الجيب الخلفي لبنطالها جواز سفر و وضعته أمامها علي الطاولة:
_ تفضلِ. جذبته الأخري علي الفور، قامت بفتحه تنظر إلي بياناته، عقدت مابين حاجبيها وقالت:
_ من بالصورة ليست أنا، هي تُشبهني بالفعل وكذلك أيضاً الأسم وتاريخ الميلاد وجميع البيانات مُزيفة.

وضعت ساق فوق الأخري، فأشعلت سيجارة لتزفر دخانها في الهواء:
_ أعلم، أمراً بديهياً زينب،  كيف سأخرج لكِ جواز سفر بصورتك وبياناتك الحقيقية و في كل المطارات تجد أعين لسليم وشركائه،  أم نسيتِ من هو زوجك ِ!.

تجمعت عبراتها لتحجب ذهبيتيها عن الرؤية كلما تتذكر نظراته المخيفة و وعيده عندما ترتكب ما يغضبه والآن فعلت ما هو أسوأ علي الإطلاق، الفرار من عرينه وليس فقط بل وأخذت حاسوبه!.
ناولتها ساندرا علبة المحارم الورقية لتجفف تلك العبرة التي أنسدلت للتو:
_ لايفيدك البكاء الآن يا فتاة، عليكِ التحلي بالقوة و الشجاعة ريثما تعودِ لموطنك.
أنحنت للأمام لتربت علي فخذها، أخذت زينب محرمة لتجفف عبراتها و أرتسمت إبتسامة، فأخبرتها بإمتنان:
_ شكراً لكِ ساندرا،  كنتُ خائفة للغاية عندما عرضتِ علي مساعدتك،  خشيت أن تخبرين سليم.

دست ماتبقي من سيجارتها في المنفضة الصدفية وقالت:
_ العفو عزيزتي، أنا لا أخون أبداً من يلجأ إلي،  كما إنه مررت سابقاً وتعرضت مثل ما حدث معكِ تماماً، بل الأسوأ. توقفت عن الحديث لتخلع سترتها و يليها كنزتها تحت نظرات زينب المندهشة لما تفعله تلك المرأه المتصابية، حتي أدركت سبب خلع ملابسها عندما ولت إليها ظهرها فشهقت و وضعت كفها علي فمها.
ظهر الأخري مليئ بعلامات جلد وحروق قديمة وأثر لجروح تمت خيطتها بشكل غير تجميلي مما تركت آثار مشوهة.

_ أنظرِ زينب وتمعنِ جيداً في تلك العلامات، جميعها نتيجة جلد بالسوط أو عصا جلدية حادة، والحروق المتفرقة كانت آثار لإطفاء العديد من السجائر الخاصة باللعين داغر العقبي، بينما آثار الجروح كانت بفعل نصل سكين ، كان يغرزها في ظهري حتي تسيل دمائي فيلعقها هذا المعتوه وكأنه يتجرع كأس من النبيذ. أوصدت عينيها من فرط بشاعة المنظر، فتذكرت حينما ألقي بها سليم في البناء المخيف خلف المنزل، كان يُقبلها بعنف حتي جرح شفاها وأنسدلت منها الدماء فقام بلعقها.

فتحت عينيها فجاءة ً وأستعادت رباطة جأشها وقوتها وإصرارها، لن تتراجع عن قرار فرارها إلي مصر،  فهي لم تتحمل أن يفعل بها مثل ما حدث من أبيه لساندرا، فالموت أكثر رحمة من ذلك العذاب.
نهضت وحملت الحقيبة علي ظهرها _ عذراً ساندرا،  أريد الذهاب إلي المرحاض. أرتدت الأخري كنزتها وسترتها ثم أشارت لتتبعها:
_ سأوصلك،  ولاتنسِ خلع وشاحك،  فصاحبة الصورة لم ترتدي وشاحاً. أوقفتها زينب لتقول بإصرار:
_ أنتظري، لا أستطيع خلع وشاحي قط، ماذا أفعل؟.

نظرت ساندرا لهيئتها ريثما أتتها فكرة جيدة:
_ لا تقلقِ،  هناك حل. وبعد قليل خرجت زينب من المرحاض ترتدي قلنصوة قد أعتطها إياها ساندرا لتخفي أسفلها جميع خصلاتها بدلاً من وشاحها وكنزة ذات رقبة طويلة تغطي عنقها بالكامل. رمقتها بإنبهار قائلة:
_ يا ألهي، أصبحتِ مثل يوستينا تماماً، هيا بنا فلقد أعددت سيارة لتقلك إلي المطار.
مدت يدها إليها بظرف سميك وأردفت:
_ خذِ هذا الظرف ،  أنتِ بحاجة إلي المال عند عودتكِ إلي بلدك .

رمقتها بسعادة وعينيها لاتخلو من الدمع غير مصدقة إنها وجدت يد العون والمساعدة في تلك البلد الغريب، عانقتها بقوة:
_ لا أعلم كيف أشكركِ علي مساعدتك و وقوفك بجانبي. ربتت عليها الأخري ثم أبتعدت لتنظر لها:
_ كفاكِ بكاءً، لو تردين شكري حقاً هاتفيني عند عودتكِ لأطمأن عليكِ. أومأت لها وقالت:
_ بالطبع، سأكون علي إتصال بكِ. صدح رنين هاتفها:
_ أنتظرِ لحظة. أجابت علي المتصل:
_ ألو، ماذا هناك؟.
………… جحظت عينيها والرعب يختلج ملامحها:
_ حسناً، حاولو إلهاءه ريثما ترحل من هنا، هيا.

أغلقت المكالمة لتمسك بيد زينب التي أرتجفت فسألتها وقلبها يخفق وجلاً:
_ هل علم بوجودي لديك؟. _  بسرعة زينب، سليم و رجاله بالأسفل، هيا لترحلِ عبر الباب الخلفي! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يلتقط أنفاسه بعدما صعد الدرج و وصل أمام شقة الحاج نعمان،  ألقي نظرة علي العنوان المدون في الورقة والذي أخذه من حمودة  .
ضغط علي زر الجرس،  وبعد ثوان أنفتح الباب و وجد نعمان الذي تهللت أساريره رغماً من حزنه علي ماحدث لأبنته.
_ يا مرحب،  يا مرحب،  ده أي المفاجاءة الحلوة دي.

دلف فارس و وضع ما جلبه من فواكه وعصائر فوق الطاولة بالردهة:
_ آسف يا حاچ أني چيت من غير ميعاد، كنت عتصل عليك ولاجيت تليفونك مجفول. رد الآخر بعدما أشار له بالجلوس علي الكرسي:
_ أتفضل يابني،  ده بيتك ومطرحك وأهلاً  بيك في أي وقت،  وأنا فعلاً قافل تليفوني مش عايز كل شويه حد يتصل بيا ويرغي ويستفسر،  عاملين نفسهم زعلانين علي بنتي وهم من جواهم شمتانين وفرحانين،  حسبي الله ونعم الوكيل  في كل الي ظلمها و عملها الفيديوهات المهببة دي.

أنبلج علي محياه إبتسامة تعجب لها نعمان حتي قال:
_ أني چيت لأچل أطمن علي حضرتك والآنسه شهد وكمان لأچل أجولك إن خلاص خابرنا من ورا الحكاية وسوي الفيديوهات. تجلت الدهشة علي ملامح الآخر في تأهب لمعرفة من أرتكب في حق إبنته ذلك الفعل الفاجر والمشين. (مشهد سابق)

أخذت تنظر من حولها فلم تجده، تنفست الصعداء وعادت لتذهب إلي منزلها، وما أن خطت قدمها فناء البناء ذو الرائحة العطنة أصتدمت به وأطلقت صرخة مدوية.
دفعها علي الجدار أسفل الدرج مكمماً فاها ويمسك بزراعها فأخبرها بتحذير:
_ هاشيل يدي دلوق لو صرختي أو سويتي حركة إكده ولا إكده هاكون مخلص عليكي بالخنچر الي معاي. همهمت بصوت مكتوم وهزت رأسها بالموافقة علي حديثه،  فأزاح يده وسألها:
_ أنتي الي ورا موضوع الفيديوهات؟. ردت بإنكار ولوع:
_ فيديوهات أي وأنت مين وعايز مني أي؟.

هزها بعنف ويزجرها برماديتيه بنظرة مقصودة لإخافتها:
_ بت أنتي، لو ما ردتيش علي سؤالي دلوق لأخلي الدكاتره تحتار كيف تخيط وشك. وضع يده علي جيب بنطاله وكأنه سيخرج الخنجر،  فأوقفته بتوسل:
_ خلاص خلاص،  هقولك علي كل حاجة،  بس بالله عليك متأذنيش ولا تجيب سيرتي،  عشان ممدوح لو عرف هيأذيني ويعمل حاجة في أمي العيانة. طيف إبتسامة علي ثغره عندما تأكد من حدسه الذي لايخطأ بتاً:
_ جولي و ليكي الأمان. رمقته بتوتر وخوف،  تتردد في إخباره بالحقيقة، رفع إحدي حاجبيه وأردف:
_ لساتك عتفكري،  ما تنطجي وإلا…

قاطعته وأمسكت بيده لتمنعه بإخراج الخنجر:
_ ممدوح هو الي خلاني أروح أعمل حوار علي شهد إن أعمل مكالمة من عندها وفي نفس الوقت أشغلها فطلبت منها تجيب لي ميه ساقعه وعقبال ماراحت وجت كنت ناقله شوية صور ليها من تليفونها علي تليفوني عن طريق البلوتوث. أبتلعت لعابها لتسطرد:
_ بعدها روحت لممدوح وبعتله الصور ولما سألته هايعمل بيها أي قالي ملكيش فيه ولو نطقت بحرف لحد هايسلط ناس عليا أنا وأمي و ده جبروت وما بيهموش.

حك ذقنه ليفكر بالأمر،  فسألها مرة أخري:
_ ولما أنتي خابره إنه بالأخلاق الشين دي، ليه ساعدتيه وچبتي له الصور؟. أسبلت جفونها بخجل من نفسها،  أجابت بخفوت:
_ الحوجه والفقر الي خلوني أعمل كده، أمي تعبانه ومحتاجة علاج غالي ومرتبي الي باخدو من صاحب المحل الي بشتغل فيه يا دوب بيسد فواتير الكهربا والميه وأكلنا وشربنا،  معاش أبويا مبيكملش لنص الشهر وبفضل أستلف من هنا ومن هنا،  فلما لاقيت ممدوح عرض عليا الموضوع وهيديني ألفين جنيه، أدالي منهم متين عربون وجيت أطالبه بالباقي عمل الي شوفته قدام محله.

جز علي أسنانه بغضب من هذا الممدوح و ود لو يراه أمامه لكان لقنه لكمات في وجهه وركلات في معدته.
أطلق تنهيدة من أعماقه وقال:
_ ماشي يا سماح، إسمك سماح برضك ولا أني غلطان؟. أومأت له:
_ أيوه، أنا قولتلك علي كل الي أعرفه،  بس والله مليش دعوة بالفيديوهات الي عملها ممدوح.

_ ما خلاص يا سماح، أنتي جولتيلي علي الي كنت رايد أعرفه، خابره لو كنتي روحتي للحاچ نعمان وجصدتيه يعطيكي فلوس لأچل والدتك العيانة مكنش هيجولك لاء وكان وجف وياكي،  لكن أنتي أختارتي الطريق التاني الي كله أذي وشر وأديكي أهه خسرانه ولا طولتي الفلوس وأرتكبتي ذنب عظيم أتمني تتوبي عنه وتروحي لشهد لأچل تسامحك. ردت بصوت حزين وشعور بالذنب يسيطر عليها:  _ ربنا يسامحني ويارب شهد تسامحني. _ هتسامحك لو برأتيها قدام الناس وخابرو الحقيقة.

سألته بتوجس تخشي ما تفكر به للتو:
_ عايزني أعمل أي؟. _ تروحي ويا الحاچ نعمان القسم وهو عيقدم بلاغ كيف تكوني شاهده بدل ما تكوني متهمة. صاحت برفض للأمر:
_ إستحالة، بقولك لو عرف هيأذيني. مسح شفاه السفلي بإبهامه ثم أخرج هاتفه من جيب قميصه ليضغط علي زر مكبر الصوت:
_ أيو يا صاحبي عاتسمعني؟. رد جنيدي:
_ معاك يا صاحبي ومسچل كل حاچة جالتها الأخت سماح. إبتسم فارس بإنتصار قائلاً:
_ تمام يا صاحبي، سلام.

وضع هاتفه في جيبه ومازال مبتسماً إليها وبتهديد جلي يُخيرها:
_ ها يا سماح هتسوي الي جولتلك عليه ولا أجول لصاحبي يسمع التسچيل لممدوح ويروح يقدمو في القسم علي أنك شريكة في العملة المهببة الي سوتوها أنتي والكلب التاني. هزت رأسها علي الفور بدون أن تتريث أو تفكر:
_ موافقة. كان نعمان يستمع ويضرب كفه بالآخر:
_ كل ده يطلع من الحيوان الي إسمه ممدوح!، والله لأربيه قبل ما أسلمه للحكومة، هخلي الرجالة يأدبوه.

_ أني من رأيي يا حاچ تهمله للحكومة وهم هيتصرفو وياه، دي ممكن يستغل الي هاتسويه فيه وهو الي يقدم فيك بلاغ بالتعدي،وإكده يبجي ضيعت حق بتك. ظل يفكر في حديثه لثوان، ويبدو أنه أقتنع به فقال:
_ عندك حق يابني، والله ما عارف أشكرك إزاي علي وقفتك جمبي أنا وبنتي، كان ليا نظرة فيك عمري ما خيبت وأنا أتأكدت بنفسي إنك إبن حلال وإبن أصول، وإن الي خلف ممامتش. أنتفض فارس من ما تفوه به الآخر للتو، ماذا يقصد بحديثه الأخير!،وهل يعلم بحقيقته!.

أخفي دهشته ونهض ليهم بالمغادرة:
_ ما تجولش إكده يا حاچ، أني الي عشكرك علي وجفتك معاي،و لو رايد أي حاچة أسويهالك أني تحت أمرك. قام بمفاجأته مجدداً:
_ أقعد يا فارس، واقف ليه؟. جحظت رماديتيه وتصنم في مكانه، فأردف:
_ ما تستغربش أنت أول ما رجلك خطت المنطقة وشوفتك عرفت أنت مين وحكايتك أي. وبقليل من التفكير وسرعة بديهة أدرك من أخبره هويته الحقيقة:
_ عم عربي الي جالك؟. أومأ له قائلاً:
_ أقعد بس وهافهمك.

جلس فارس والوجوم يكسو ملامحه، فأردف الآخر:
_ أنا يابني راجل تاجر، أتعاملت مع كل صنف ولون والحلو والوحش، وأنا أول ماشوفتك لما أمين شوقي ماسكك أنت والتاني الي معاك عشان معكمش بطايق، بعدها بعت وراكم واحد عرف إنكم تبع عربي المسئول عن تسكين الشباب الي جايين يشتغلو وملهمش مسكن، كلمته بأمانة مرضاش يقولي في الأول وبعد ما ضغطت عليه قالي علي حكايتك أنت وجنيدي.

كان متردداً لايعلم كيف يخبره إنه أمر يطول شرحه، لكنه تعجب لشئ تذكره لوهلة، كيف لرجل بمكانته يطلب من متهم هارب من العدالة العمل لديه والزواج من إبنته!
كانت نظراته كفيلة ليدركها نعمان الذي أردف:
_ طبعاً زمانك بتسأل طالما عارف حقيقتك أي الي خلاني أشغلك عندي وأعرض عليك تتجوز بنتي. أندهش أكثر لفطنة هذا الرجل الذي يذكره بوالده دائماً، فقال:
_ و ده فعلاً صوح الي عيدور في دماغي.

إبتسم الآخر ليجيب عليه:
_ لما عرفت إسمك بالكامل وقتها رجعت دماغي لأيام خدمتي في الجيش، كان والدك قاسم القناوي من أعز أصدقائي، ياما وقف جمبي وكان ديماً في ضهري وبعد ما خلصنا خدمة فضلنا علي وصال مع بعض، وكل واحد فينا أتجوز وأتلهي في حياته، سبحان الله يدور بينا الزمن وليا نصيب أقابل إبنه. أطلق زفيراً من عمق أحزانه الدفينة وقال:
_ الله يرحمه، كل الي كان يعرفه يحبه، مكنش ليا غيره . نهض ليجلس بجواره وربت علي كتفه قائلاً:
_  متقلقش يا فارس هساعدك لحد ما تظهر براءتك، بس أخلص الأول من موضوع شهد.

_ إن شاء الله يا حاچ.
نهض وأردف:
_ أستأذن أني بجي. فقال الآخر:
_ أستني يا فارس. تركه ودلف للداخل وبعد دقيقة خرج له وفي يده مجموعة من المفاتيح:
_ خلي المفاتيح دي معاك، عايزك تفتح المحل وتاخد بالك منه لحد مابنتي تروق وتبقي كويسه. رد برفض قائلاً:
_ معلش يا حاچ أعفيني م…..

قاطعه الآخر:
_ عرفت الي عملته شهد معاك، وأنا بقولك حقك عليا، هي دماغها صغيره وعقلها مش فيها بس قلبها طيب وغلبانه وعيت علي الدنيا من غير أم، أمها الله يرحمها ماتت وهي عندها تلات شهور جالها غيبوبة سكر وكنت مش موجود، ومحدش لحقها وعقبال ماجيت كان السر الآلهي طلع. عقب علي حديثه:
_ لا حول ولاقوة إلا بالله  ربنا يرحمها ويرحم جميع موتانا. _ آمين يارب ، فكل الي طلبه منك ترجع المحل وتاخد بالك من الشغل.

زفر بسأم ثم قال:
_ حاضر ياحاچ الي رايده هيكون. تناول المفاتيح من يده ثم نظر إلي ساعة هاتفه فقال:
_ يا دوب أروح ألحج أفتح،  رايد مني حاچة تانيه يا حاچ. رد برفض وإمتنان:
_ لاء يابني،  شكراً.

_ العفو،  سلام عليكم.
ردد عليه نعمان التحية وقام بإيصاله إلي الباب.
وبعد مغادرة فارس،  أراد أن يدخل لإبنته ويطمأن عليها فتفاجأ بها تقف علي باب غرفتها!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يقف أمام المرآه يمشط خصلاته الفحمية ويهندم ثيابه الجديدة، فدلفت بُغتةً وتفاجأت بمظهره يرتدي بنطال وقميص،  يمسك بزجاجة العطر ويضغط المكبس لتتناثر ذرات هذا العطر ذو الرائحة الفجة،  أنتابها السعال ولم تتحمل الرائحة.
نظر لها عبر المرآه وقال بمزاح ثقيل:
_ مالك عتموتي إياك!. حدجته بإبتسامة صفراء وأجابت:
_ بعد الشر عليا،  إن شاء الله الي يكرهني ويظلمني ويچي عليا.

ألتفت وسار نحوها فدفعها في كتفها بمرفقه:
_ عتدعي علي حالك ليه يا بت خالتي. جلس علي الأريكة ليرتدي حذائه الأسود اللامع
أمسكت كتفها تتحسس موضع الألم فقالت:
_ أني فعلاً كرهت نفسي يوم ما وافجت وأتچوزتك،  وظلمت نفسي لما كملت وياك وأتحملت كل الي عاتسويه معاي من إهانة وحرجة دم، وآخرتها رايح تتچوز عليا وعمال تظبط حالك وجلعت الچلابيه ولابس بنطلون وقميص ولا كأنك أول مرة رايح تتچوز.

انت في الصفحة 3 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى