Uncategorized

حقن مجهري نورهان العشري

حكايات نورهان العشري

يا ست هانم.. معلش، كان في شوية حاجات باقية من العشا. أؤمري. عايزة تشربي حاجة؟
منال (بتقرب منها جداً لحد ما أنفاسها لمست وش راندا): عايزة أريحك يا راندا. شفتي أنا طيبة إزاي؟ بقالك سنتين هنا، شايلة البيت على كتافك عشان “ياسين”. طفل جميل أوي ياسين، خسارة يفضل عايش في فقر وتعب، وخسارة يكبر ويلاقي أمه مجرد “خدامة” بتلم بواقي الأكل.
راندا (بقلق): الحمد لله يا هانم، مستورة، وأنا راضية بقسمتي. أهم حاجة ابني يتربى بالحلال.
منال (بضحكة باردة): الحلال ده كلمة واسعة أوي. بصي يا راندا، أنا عرضت عليكي عرض، ومش عايزة أسمع كلمة “لا” تاني.

إنتِ هتتجوزي الأستاذ أيمن. شهرين تلاتة، عملية بسيطة، تجيبي الولد، وتاخدي شنطة فيها مبلغ يخليكي تفتحي بدل المشروع عشرة، وتبني لياسين مستقبل مكنتش تحلمي بيه.
راندا (بدموع بتبدأ تنزل): يا ست هانم ارحميني، أنا ست شريفة. الأستاذ أيمن ده زي أخويا الكبير، وسيدي اللي فاتح لي بيتي. إزاي أبصله؟ وإزاي أبيع ضنايا بفلوس؟ ده ابني يا هانم، اللي هيخرج من بطني ده حتة مني!
منال (بتتحول ملامحها لجمود مخيف، وبتمسك فك راندا بإيدها): شريفة؟ الشرف ده للي معاهم يا حبيبتي، مش للي بيشحتوا اللقمة.

والولد اللي هيخرج من بطنك ده “ابني أنا”، إنتِ مجرد “أرض” هنزرع فيها البذرة وناخد المحصول. فاهمة؟
راندا (بتحاول تفك إيد منال): مش هعمل كدة.. اقـ,ـتليني ومستحيل أعمل كدة!
منال (بتسيب وشها وبتروح تقعد على التربيزة ببرود، وتطلع الموبايل): تفتكري لو اتصلت دلوقتي باللي واقفين قدام بيت مامتك، وقولتلهم “ياسين ملوش لزمة”، هيحصل إيه؟
راندا (بشهقة مرعبة): بيت ماما؟ إنتِ باعتة حد هناك؟
منال (بتوريها صورة على الموبايل لياسين وهو نايم في حـ,ـضن جدته): شوفي.. الصورة دي لسه مبعوتة لي حالا.

“ياسين” نايم في أمان الله، مش عارف إن “غلطة” واحدة من أمه ممكن تخليه ينام “نومة مبيصحاش منها”. الطريق من بيت مامتك للمدرسة زحمة، وعربيات النقل كتير، وسواقينهم مبيشوفوش العيال الصغيرة اللي بتجري.. “حـ,ـادثة” صغيرة، وتنتهي قصة ياسين للأبد.
راندا (بتنهار على الأرض تحت رجل منال): أبوس رجلك يا هانم! بلاش ابني! ياسين ملوش ذنب! اعملي فيا اللي إنتِ عايزاه، بس ابني لا!
منال (بتمسك شعر راندا وترفع راسها بقسوة): يبقى تسمعيني كويس. هتمضي على الورق ده، وهتنفذي كل كلمة أقولها. هتقعدي في الشقة اللي حجزتها، ومفيش خروج، ومفيش تليفونات، ومفيش “ياسين” لحد ما تولدي وتديني الولد.

لو فكرتي تهربي، أو تحاولي تكلمي أيمن وتفتحي بؤك، اعتبري إنك بتحفري قبر ابنك بإيدك.
راندا (بشهقات وجع): أنا موافقة.. موافقة.. بس ياسين يفضل عايش.
منال (بتبتسم بانتصار وبتمسح دموع راندا بمنديل): شاطرة يا راندا. كدة إنتِ أم بجد. يلا، قومي اغسلي وشك، وبكرة المأذون هيكون مستنينا. ومش عايزة أشوف وشك ده حزين، إنتِ هتبقي “أم الولد” اللي هيشيل اسم العيلة.. بس في السر.
(منال بتسيبها وتمشي، وراندا بتفضل على أرض المطبخ، صوت بكاها المكتوم هو الوحيد اللي مالي المكان، وكأنها بتبكي على مـ,ـوتها وهي صاحية).

في مكتب أيمن في الفيلا. الجو مشحون بالتوتر، أيمن قاعد ورا مكتبه وماسك قلم بيلعب بيه بعصبية، ومنال واقفة قدامه وحاطة إيدها في وسطها، وعينها صقر بيراقب فريسته. على المكتب “دوسيه” جلد أسود فيه أوراق الجواز والتنازلات.
منال (بنبرة أمر لا تقبل النقاش): القلم في إيدك يا أيمن، والورق قدامك. إمضاء واحد وهنبدأ الخطوة الأولى في حلمنا.. مش عايزة تردد تاني.
أيمن (بيرمي القلم على المكتب بعنـ,ـف): حلمك إنتِ يا منال! مش حلمنا! إنتِ عايزاني أمضي على جوازي من واحدة معرفش شكلها، ولا شفت وشها، ولا حتى لمحت طرف طرحتها؟ إنتِ متخيلة إني “روبوت” هتدوس على زرار فيه فيشتغل؟

منال (بتقرب منه وبتحط إيدها على المكتب): أيوه، في الموضوع ده بالذات، عايزة “روبوت”. مش عايزة مشاعر، مش عايزة نظرات إعجاب، ولا حتى فضول. البنت دي “متأجرة”، مجرد وسيلة. هتمضي على القسيمة، والمحامي هيخلص كل حاجة في السجل المدني بعيد عنك.
أيمن (بيقوم يقف ويزعق): والعملية؟ والمستشفى؟ إزاي هروح أعمل حقن مجهري مع واحدة مجهولة؟ إنتِ عارفة يعني إيه “حقن مجهري”؟ يعني في تفاصيل، في دكاترة، في مواعيد.. هبقى واقف في الممر زي الغريب وهي جوه بتشيل ابني؟
منال (ببرود أعصاب ينرفز): بالظبط كدة. هتروح المستشفى في الميعاد اللي هحدده، هتدخل أوضة التحاليل، تخلص مهمتك وتخرج.

الدكاترة هناك كلهم تبعي، وعارفين إنك “أيمن بيه”، ومحدش فيهم هيسمحلك تدخل أوضة البنت أو حتى تعرف رقم أوضتها.
أيمن (بيمسكها من دراعها بذهول): إنتِ خايفة مني؟ خايفة أحبها؟ ولا خايفة تطلع أحسن منك؟
منال (بتنفض إيدها وبتقوله بقسوة): خايفة على “بيتي”. لو شفتها، ممكن تحس بالذنب، ممكن هي تطمع فيك وتستغلك. أنا بحميك من نفسك يا أيمن. إنت هتمضي، وتروح المستشفى زي الضيف، ومالكش دعوة بالباقي. أول ما الولد يتولد، هتاخده في حـ,ـضنك وتنسى إن كان في “بنت” أصلاً في الحكاية.
أيمن: ولو رفضت؟ لو قولتلك إني مش همضي على ورق جواز مجهول كدة؟

منال (بتبتسم ابتسامة باهتة): يبقى تنسى إني مراتك. هلم هدومي والنهاردة هبات عند أهلي، وورقة طلاقي تجيلي الصبح. أنا مش هعيش مع راجل بيقف في طريق حقي في إني أكون “أم”، حتى لو بالتحايل. اختار يا أيمن.. يا إما ابنك اللي هيشيل اسمك، يا إما تعيش بطولك وتخسرني للأبد.
أيمن (بينظر لها بنظرة انكسار واضحة، بياخد نفس طويل كأنه بيودع كرامته، وبيمسك القلم تاني): ماشي يا منال.. همضي. بس افتكري كويس إنك إنتِ اللي اخترتِ الطريق ده. إنتِ اللي لغيتِ وجودي وكرامتي كراجل عشان “هوسك” بالخلف.
(أيمن بيمضي الورق بسرعة وبعصبية، وبيرمي القلم في وشها).
أيمن: خدي الورق..

غوري بيه من قدامي. روحي اعملي “الجـ,ـريمة” اللي إنتِ عايزاها، بس متجيش تشتكي يوم ما تكتشفي إنك خسرتيني بجد عشان خاطر عيل لسه مجاش.
منال (بتاخد الورق ببرود وبتحطه في شنطتها): بكرة الصبح السواق هيوديك المستشفى.. البس أشيك بدلة عندك، عشان النهاردة يوم “ميلاد” مستقبلك يا أيمن بيه.

بمرور الشهور، تحول البيت لزنزانة باردة، منال بتمثل دور الحامل ببراعة مرعبة قدام الناس بـ “بطن صناعية”، وأيمن عايش زي الغريب، بياكله الشك والندم، لحد ما جت اللحظة اللي كشفت وش الشيطان الحقيقي.
في جناح منال. أيمن راجع من برة وسامع صوت منال واطي، واقف ورا الباب الموارب ونفسه مكتوم.
منال (بصوت ناعم ومزيف في التليفون): أيوة يا حبيبتي.. يا راندا اهدي، أنا بسأل عليكي كل يوم. الدكتور طمني إنك دخلتِ السابع والبيبي زي الفل. مش عايزة قلق، كلي كويس ونامي، والفلوس اللي طلبتيها لمامتك وصلت لها وزيادة.. ياسين؟

ياسين بيلعب وفرحان، متخافيش عليه، خافي بس على نفسك وعلى اللي في بطنك. يلا، نامي وارتاحي يا حبيبتي.
(منال بتقفل السكة، والابتسامة الناعمة بتختفي فجأة، وبتحل محلها نظرة شريرة وهي بتطلب رقم تاني بسرعة).
منال (بنبرة مختلفة تماماً، حادة وقاطعة): أيوة يا دكتور مدحت.. العملية هتتم في ميعادها. مش عايزة أي غلطة. أول ما الولد ينزل، “راندا” دي مش عايزة لها أثر. تصرفوا بقى.. نزيف حاد، سكتة قلبية، أي حاجة تخلصنا منها للأبد. والواد؟ لا طبعاً مش عايزة الواد! إنت صدقت إني هربي ابن خدامة؟ أنا كنت بسايسها بس لحد ما أكسر عين أيمن.

الولد ده يترمي في أي ملجأ بعيد، أو تتصرفوا فيه بمعرفتكم.. المهم أيمن ميعرفش إنه جه أصلاً، وهقوله إن البيبي نزل ميت وأمه ماتت معاه. سامع؟ الحكاية دي تنتهي بدمهم هما الاتنين.
في مكتب أيمن. أيمن واقف ورا الباب، ملامحه متصلبة، عروق إيده بارزة من كتر الكتمة. الكلمات نزلت عليه كأنها مية نار. مراته، حبيبة عمره، بتخطط لقتـ,ـل ست غلبانة ورمي ابنه في ملجأ!
أيمن (بهمس لنفسه): يا ساتر يارب! إنتِ إيه؟ إنتِ مش بني آدمة!
(أيمن بيتحرك بسرعة قبل ما هي تخرج. بيدخل أوضة المكتب ويقفل على نفسه.

بيفتح اللابتوب بتاعه وبيحاول يوصل لبرنامج تتبع الموبايلات اللي كان منزله على موبايل منال من فترة بدافع الشك. بيراقب حركة الـ GPS، بيلاقي موبايلها كان بيتردد كتير على منطقة معينة في “طريق الإسكندرية الصحراوي” في فيلا معزولة).
أيمن: هي دي.. هي دي المزبلة اللي حبستِ فيها الغلبانة.
(أيمن بياخد مفاتيحه وبينزل زي المجنون، بيسوق عربيته بأقصى سرعة، قلبه بيدق مع كل متر بيقربه من المكان. بيوصل قدام فيلا صغيرة، حواليها سور عالي وكاميرات. بينط من فوق السور بمهارة، وبيتسلل لحد ما يوصل لشباك في الدور الأرضي، بيسمع صوت أنين وجع مكتوم).

في غرفة ضيقة جوه الفيلا، راندا قاعدة على السرير، بطنها كبيرة وبارزة، وشها شاحب جداً، وتحت عينها سواد بيحكي قصة الشهور اللي فاتت. أيمن بيفتح الشباك ويدخل فجأة.
راندا (بترتعب وتصرخ صرخة مكتومة): أعوذ بالله! إنت مين؟ أبعد عني! الست منال هتمـ,ـوت ابني لو حد عرف إني هنا!
أيمن (بيقرب منها وبيهمس بلهفة): راندا! اهدي.. أنا أيمن.
راندا (بتبرق بعينها بصدمة): أستاذ أيمن؟ إنت جيت إزاي؟ هي قالتلي إنك مسافر.. قالتلي إنك مش عايز تشوفني ولا عايز تعرف حاجة عن “القرف” اللي في بطني!
أيمن (بيمسك إيدها اللي بتترعش): كدابة! منال دي شيطانة يا راندا.

أنا لسه سامعها بتخطط لقـ,ـتلك! وبتقول للدكتور يرمي ابني في الملجأ!
راندا (بتنهار وبتمسك في قميصه بانهيار): يا بيه إلحقني.. أنا بمـ,ـوت كل يوم مية مرة. هي حابسة ابني ياسين، وبتقولي لو ممتش وأنا بولد هي اللي هتمـ,ـوتني. أنا مش عايزة فلوس، أنا عايزة ابني ياسين والطفل اللي في بطني ده يعيشوا. خدني من هنا يا بيه، أبـ,ـوس رجلك خدني من هنا!
أيمن (بيحضـ,ـن راسها وبيمسح دموعها بقوة): وحياة كل دمعة نزلت منك، لأخليها تدفع التمن غالي. إنتِ مراتي، واللي في بطنك ده ابني اللي استنيته عمره كله. مش هسمح لحد يمس شعرة منك. اهدي خالص..

أنا هرتب كل حاجة. هخرجك من هنا دلوقتي على مستشفى تانية ميعرفهاش الجن الأزرق، وياسين ابنك هجيبهولك الليلة دي قبل بكرة.
راندا (بصوت ضعيف): بجد يا بيه؟ هترجعلي ياسين؟
أيمن: هرجعهولك، وهخلي منال تشوف النجوم في عز الظهر. الظلم انتهى يا راندا.. واللعبة اللي بدأتها هي، أنا اللي هنهيها.

في صالة الفيلا الكبرى. الإضاءة ساطعة، ومنال لابسة فستان سهرة واسع يداري “البطن الصناعية” ومنتشية بانتصارها، ماسكة كاس عصير وبترقص على موسيقى كلاسيكية هادية، ومجهزة “شنطة الولادة” المزيفة عشان تروح المستشفى اللي اتفقت فيها مع الدكتور المرتشي.
أيمن (بيدخل بهدوء مرعب، وبيطفي الموسيقى فجأة): مبروك يا منال.. الليلة الكبيرة وصلت، مش كدة؟
منال (بابتسامة نص كم): أيمن حبيبي! خضتني. أيوة، الدكتور مدحت كلمني وقالي إن “وقت العملية” جه. أنا متحمسة أوي، أخيراً هجيبلك ولي العهد.
أيمن (بيقعد ببرود ويحط رجل على رجل): ولي العهد؟ تقصدي “عز الدين”؟ اللي كنتِ ناوية ترميه في الملجأ وتقتـ,ـلي أمه الغلبانة في العمليات؟

منال (وشها بيصفر، والكاس بيتهز في إيدها): إنت.. إنت بتقول إيه؟ إنت أكيد تعبان من الشغل يا حبيبي.
أيمن (بيطلع موبايله وبيشغل “تسجيل صوتي” بصوتها وهي بتكلم الدكتور): “مش عايزة راندا ليها أثر.. والواد يترمي في أي ملجأ.. المهم أيمن ميعرفش إنه جه أصلاً”.. صوتك طالع واضح أوي يا منال، وفيه بحة “إجرام” مكنتش واخد بالي منها.
منال (بتحاول تتماسك وتصوت): ده تركيب! إنت عايز تتهمني بإيه؟ أنا مراتك!
أيمن (بيقوم يقف ويقرب منها، وبحركة سريعة بيشد “الحزام” بتاع البطن الصناعية من تحت فستانها): ومراتك الحامل بـ “إسفنج” برضه؟

(البطن الصناعية بتقع على الأرض، ومنال بتبان بجسمها الطبيعي وهي بتترعش).
أيمن: راندا ولدت يا منال.. في مستشفى محترمة، وتحت حراسة رجالة أنا واثق فيهم. وابنها ياسين؟ (بيشاور لباب الفيلا، بيدخل “ياسين” وهو بيجري على حـ,ـضن أيمن). ياسين رجع لحـ,ـضن أمه، والرجالة اللي كنتِ مأجراهم يحرسوه في بيت أهلك القديم، اعترفوا بكل حاجة مقابل “قرشين” والستر.
منال (بانهيار وجنون): إنت بتعمل فيا كدة ليه؟ أنا عملت كدة عشانك! عشان متسيبنيش!
أيمن (بينظر لها باحتقار): إنتِ عملتِ كدة عشان “نفسك”. عشان بريستيج الهانم. (بيدخل في اللحظة دي المحامي “فريد” وهو مكلبش وإيده ورا ضهره ومعاه ضابط شرطة).
الضابط:

منال هانم، إنتِ مطلوبة بتهمة التحريض على القـ,ـتل، خطف طفل، والتزوير في أوراق رسمية.
أيمن (بيطلع ورقة من جيبه): وقبل ما تمشي يا “منال هانم”.. دي ورقة طلاقك. مكنتش عايز أطلقك غيابي، قولت أشوف نظرة الانكـ,ـسار في عينك وإنتِ بتشوفي “عز” ابني في حـ,ـضن “راندا” مراتي الرسمية، اللي صنتها وصانتني، وإنتِ اللي كنتِ عايزة تبيعي لحمنا ودمنا.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى