Uncategorized

فرط الحب للكاتبة دينا ابراهيم روكا 1

لطالما كان شخص قليل الكلام حبيس المشاعر متملك لأقصى حد بكل ما يخصه ويحميه ولكنه فشل في حمايتها من نفسه ومن الغيرة العمياء التي أوقعته في فخ لن يخرج منه بسهولة.
شعر بالضيق لهذا المأزق الذي أوقع نفسه به ومضاعفاته التي لم يتوقعها، فقد ظن طوال السنة الماضية انه يعطيها فرصة ووقت للهدوء والتفكير قبل ان يتمكن من ترك عمله والعودة إلى مصر بل انه حارب كي يتم نقله للعمل بالفرع الجديد داخل مصر من اجلها وهذا سبب عودته قبل موعده بثلاث شهور.

دخل إلى المرحاض ثم خلع قميصه قبل ان يغرق رأسه تحت صنبور المياه لكنه سرعان ما توقف وانعقد حاجبيه في انزعاج غير قادر على التحمل والصبر فرفع رأسه بسرعة أجبرت المياه على التساقط فوق نصف جسده العلوي بإهمال وأخذ يبحث عن منشفة يجفف بها رأسه.
اتجه للخارج يحمل هاتفه من على الطاولة الخشبية الملاصقة للباب حيث تركه مع باقي اغراضه لحمل عُمر من بين ذراعي ريم، عبث بأزرار الهاتف حتى وصل لاسم أخيه الأصغر “بيجاد” ثوان واتاه صوته الاجش الدال على استيقاظه من نومه:
– الو؟

– بيجاد، فاكر لما بعتك لريم عشان تقنعها تديك رقم اتواصل بيه معاها؟
سمع صوت خربشات وتوقع انه يعتدل في فراشه ثم اجابه :
– اه، هو فيه حاجة ؟
– ريم بتقول انها ما تعرفش إني رجعتها على ذمتي، أنا عايزك تفتكر بالظبط تفاصيل كلامك معاها.
ساد الصمت وبيجاد يحاول استرجاع ذاكرته للحدث قبل ان يقول بتروي:

– انا روحت البيت ملقتهاش بعدين نزلت المحل اللي بتشتغل فيه وقولتلها انك عايز تكلمها ضروري وان الطيب أحسن،
اتعصبت وقالتلي مش عايزه اشوفك تاني وانها مستنيه ورقه طلاقها واني اقولك انها مش عايزه تتواصل معاك ومش هتديك اي تفاصيل عن حياتها.
– يعني مقولتلهاش اني ردتها؟
– هقولها ليه مش المفروض ان انت بعتلها على البيت ثم هي مدتنيش فرصة وكانت عايزاني امشي قبل ما أحمد يرجع وندب خناقة زي المرة اللي قبلها.

زفر ريان وهو يأتي ويذهب حول المكان متذكرًا شجار أخيه السابق لتلك الزيارة مع الوقح الذي وقف أمام أخيه متهمًا ريان بعدم الرجولة لأنه لم يفي بوعده ويرسل بورقتي الطلاق والعقد لريم وانه سبب لها خسائر فادحة برفضه لاستكمالها تأجير شقة والديها التي كانت على النظام القديم وتدفع فيها القليل وانه ان لم يعطيها المنزل فهي لن تتحمل تكاليف شقة بإيجار على النظام الجديد وهذا ما دفعه ليرسل العقد مع الرسالة بعدها بأيام معدودة مع أحد أصدقائه كي لا يندلع شجار جديد بين الوقح وشقيقه المنفعل دائمًا، زفر في غضــ,,ـب ثم أعلن في حده:

– ريم اتخطبت لأحمد ومش مصدقة اني ردتها من الأساس!
– أفندم !
يعني ايه اتخطبت وهي متجوزه وانت سكتلها؟
– وانت كنت عايزني أعمل ايه اق.تلها مثلًا،
ما انا بقولك مكنتش تعرف انها لسه مراتي.
ابتلع بيجاد كلمــ,,ـات وقحة يصف بها سوء تصرف شقيقه الأكبر ثم سأل في حدة:
– وناوي تعمل ايه، والسؤال الأهم هنا هي عملت ايه؟
سمح ريان لنفسه بالدخول إلى غرفتها فغمرته رائحتها المحلاة كالحلوى المسكرة وكاد ينسى مكالمته مع أخيه لولا تدخل الأخير:

– قولتلك بدل المرة ألف محدش بيقعد بعيد عن شريك حياته في الظروف اللي زي دي.
فأجابه ريان بغضــ,,ـب لعلو صوته وصحة مقولته:
– متزعقش يا بني آدم وبعدين مكنش بمزاجي ولّا كان المفروض اسيب شغلي في الوقت الصعب ده عشان ارجع مصر واضيع مستقبل ابني لأن الهانم بتتقل عليا!
– لا بس على الأقل كان المفروض تبعت تاخدها عندك وحلوا مشاكلكم، أو اي حاجه مش انك تسيبها تنعزل عنك وتكبر الفجوة اللي ما بينكم.
هتف بيجاد من بين اسنانه وهو يقفز من فوق فراشه يبحث عن كوب من الماء يطفئ به ظمأ غضــ,,ـبه.

– وهي كانت بترد عليا عشان ابعت اسفرها، بيجاد روح نام ما تستفزنيش انا مخنوق خلقه.
اجابه ريان في حنق رغم علمه بأنه على حق فتنهد بيجاد وهو يترك الكوب الفارغ ثم قال بنبرة هادئة:
– أنا اسف، بس انت محتاج تحط النقط على الحروف معاها وتعرفها انها مراتك وانت اكيد هتعرف تتعامل معاها وتقنعها ولا ايه؟
– مش عايزه تسمعني وبتقول حتى لو ردتها فهي عايزه تطلق.
صمت بيجاد دون تعليق فاستمر ريان في نبرة مزمجره وقد استعاد غضــ,,ـبه:
– بس ده على جــ,,ـثتي إني اسيبها لغيري.

انعقدت ملامح بيجاد في ضيق فلابد انها لعنة ما تحوم حول حياته وحياة شقيقه، فرك ذقنه في انزعاج ثم قال:
– ربنا يعينك، انا مش عارف افيدك ازاي.
صمت “بيجاد” وقد لاح تفكير في عقله قبل ام يسأل متعجبًا:
– اومال انت فين دلوقتي؟
– انا في البيت عندها.
قال ريان بصوته الرخيم المحبط فارتفع حاجبي بيجاد بذهول وهو يردف:
– الله، مش بتقول مش طيقاك؟
– وايه يعني؟
انا مش هتحرك من هنا من غير لما اقنعها ترجعلي ورجلها فوق رقبتها.
– ليه؟
تسآل بيجاد بغرابة فأجابه ريان متسائلًا:

– تقصد ايه ب ليه؟
– ليه بتعمل كل ده؟
شعر ريان بلسانه يعقد ولم يستطع الإجابة فهمهم بعد قليل بخفوت:
– عشان هي مراتي.
– برافو قولها كده وهي مش هترضى ترجعلك ابدًا.
– تقصد ايه؟
فرك بيجاد رأسه يحاول إيجاد طريقة يوصل بها لأخيه بانه لا وقت لغروره وان عليه الانحناء لمشاعره قليلًا فإن كان لعنة بيجاد الغضــ,,ـب فلعنة أخيه هي الغرور والأنانية.
– شوف..

حاول تتعامل معاها بهدوء هي بردو شافت كتير وتقريبًا كده على حسب كلامك فهي بقالها سنة بتعاني فراقك عنها،
وكلنا عارفين انت وعُمر كنتوا بالنسبه لريم ايه.
ضحك متهكمًا ليقول:
– مش هنكون أغلى من أحمد أكيد.
– تحب اخلصلك عليه؟
اتسعت عيون ريان في ذهول ورغم رغبته العارمة في الموافقة إلا أن صوت العقل انتصر ليقول في نبرة مستنكرة:
– ايه قررت تعالج الغضــ,,ـب جواك بانك تبقى قتال ق.تله خلاص؟!
ارتفع صوت بيجاد الحاد باعتراض لتنتهي بذلك لحظاته الحكيمة:
– مش كل اللي يكلمني يقولي كلمة اتعالج، انا مش مريض نفسي!

تنفس ريان من انفه قبل ان يقول له بجدية تامة:
– ربنا يهديك لنفسك وتفهم ان الدنيا مش سينــ,,ـاريو واحد.
– ريان انا هقفل عشان انام مش ناقصه فلسفه على المسا.
اخبره “بيجاد” بنبرة تؤكد لريان بانه فهم ما يحاول تلميحه دون كلمــ,,ـات كثيرة فتقبل هروب شقيقه بأن رمى عليه السلام قبل إنهاء المكالمة.
تنهد بأسى يحارب مشاعر محتده تضيق في صـ,,ـدره فحملته قدميه باعتيادية عجيبة حول الغرفة التي كانت مهد غرامهما وإلى فراش حمل العديد من ذكرياتهما، فرد جسده بتعب ومال بعد دقائق يلصق أنفه في تلك الوسادة الممتلئة برائحتها الجذابة التي أث.ارت جنونه في غربته.

“فالغربة” لم يدرك معناها إلا بفراقها، وحدها هي من جعلته يعاني من هذا الشعور المهلك بحاجته للانتماء لوطن..
وكم كان أحمق حين ظن عندما غادر وتركها انه سيعود لذلك السكون الجاف الخالي من المشاعر في حياته ليثبت له الواقع العكس … فكل خطوة يخطوها تركته حاني لحياة تذوقها من طرف معلقتها…. هي موطنه الذي يرفض احتواءه ويعاقبه بقسوة يستحقها بجدارة.
ترك نفسه للنوم برضا بين فراشها وكأنه محمل فوق السحاب تاركًا تفكير وتدابير الغد للغد.

تتصلب كل عضلة في جسده وذلك الظل الأسود الكبير يعلن عن وجوده فوقه لينتفض جسده بخضه وهو يستيقظ على صراخ وعويل مرعب لوالدته وذلك الظل يمزق خصلاتها بيده الكبيرة ويتوالى عليها بالصفعات وهو الصغير يندفع للخلف يبكى وفقط يبكى كالجبناء ….

وكالومضة انتهى المشهد لتعلو صرخة أخرى وهو يستيقظ بصفعة مدوية على وجهه من ذات الظل بينما هو صاحب العشر سنوات يتلوى كالسمكة على المشواة لا يرى ولا يعي ما يحدث له من ظل أسود كبير…
صرخ والنيران تتلاعب من حوله فأخذ يلتفت ويدور في حيرة متسائلًا تُرى أين سقط هذه المرة، تساقطت قطرات العرق من جبينه وصدغيه بينما شعور مرعب يدفعه للركض والاختباء ولكن أين المفر والنجاة ؟!
صراخ يعلو وجسد ينتفض من جديد منتهي بآنين كحيوان مسكيــ,,ـن ارتطمت به سيارة إنسِ تجرد من إنسانيته تاركًا إياه جريح بلا أي حول ولا قوة.

صوت الصراخ يعلو فيعبث في ثباته ويعيث الجنون فيما تبقى من عقله وتلك المرة وجد نفسه عاريًا وصوت ضحكات أصدقاءه وسخريتهم بعدم قدرته على الخوض في رهان قبيح مثل رفقتهم ظل يعلو ويعلو خارج غرفة كاد يبيع فيها نفسه لشيطان تنكّر في صورة امرأة مغوية تلامسه وتنتهك براءته ليأتي العقاب من الله سريعًا على تلك المتعة الغير مكتملة لتنطفئ روحه ورجولته وهو يفر هاربًا يلملم ملابسه ويركض للخارج متجاهلًا ضحكات رفاقه التي توغلت داخل أعماقه كالس.كين واستقرت هناك.

صرخة مفجعه اتسعت لها عيناه على وسعهما ليجدها تلك المرة قد خرجت من أعماقه للواقع، تلاحقت انفاس ” أحمد” في جنون ومرر كفه المهتز فوق جبينه بس.خرية مفكرًا بأنه يطلب النوم ويجبره اجبارًا وحين يغمض عيناه يهاجمه الجحيم من كل جانب.
نظر إلى الساعة بجواره ليجدها العاشرة صباحًا فقفز في حدة وقد عاد إليه ما حدث بالأمس ثم هرع للمرحاض لأخذ حمام بارد يعيد إليه صوابه ورزانته.
عازمًا النية على الذهاب إلى ريم فهو لن يقبل بتركها له، ومهما كان الثمن لن يقبل بأن يقضي حياته في وحده موحشة تلتهمه في نومه وصحوته.

استيقظت ريم أولًا ليطالعها سقف لبني اللون مليء بالرسومــ,,ـات الكرتونية انعقد حاجباها في شرود محاولة استيعاب ما هذا المكان لأنه بالتأكيد ليس غرفتها، حركة خفيفة في ذلك المكان بين كتفها وأعلى صـ,,ـدرها وتلك اليد المتثبتة بها جعلتها تنظر للصغير المتكور بين اح.ضانها وكأنها الحياة.
ض.ربها الواقع من جديد لتزيد من ض.م عُمر إليها تلقائيًا كأنها تحتمى من مشاعرها المتضاربة والمتلاحقة بين حزن وألم وسعادة، لكنها اختارت إبعادها مستمتعة بالدفيء المحاط بقلبها وهي تض.م الصغير وكأن كل ما حدث كان حلم قبيح وانتهى.

تنهدت متمنيه لو ان الأمر بتلك السهولة، أبعدت نفسها عنه ثم دثرته جيدًا قبل أن تتجه بدفاعيه نحو الخارج لا تدري بعد ما الذي سيقرره المخبول الذي عاد لحياتها بكل غرور وكأنها ستتقبله وترتمي تحت قدمية بسعادة لعودته.
انقــ,,ـبض قلبها الخائن وهي تتذكر كلمــ,,ـاته بأنها لاتزال زوجته لكنها لن تقع في نفس الخطأ مرتين ليس بعد كل ما عانته من ألم في فراقه لتتعلم إن الإنسان أضعف من ألا يبني جدار حوله يفصله عن حماقة العالم.

نظرت حول المكان لكنها لم تجد أثر له ولولا الحذاء الملقى في الردهة لظنت انه ذهب وتركهما، اتجهت نحو غرفتها وهي تكذب شعورها لكنها تفاجأت به نائم في ثبات عميق فوق فراشها، شعرت بحقد للهدوء الذي ينعم به بينما تشتعل هي، فاندفعت نحوه في شر وهزته في حدة هاتفه:
– اصحى يا بني آدم.
انتفض ريان يمسك قــ,,ـبضتها التي تدفعه في ذعر لكنه سرعان ما اعتدل يبعد الغطاء عن جسده النصف عاري ليعترض بنبرة غاضبة وهو يجذبها بقوة أشد من اللازم:
– إنتِ اتجننتي في حد يصحي حد كده!

– إنت اللي ازاي تتجرأ وتنام في اوضتي وعلى سريري اتفضل اطلع برا.
قالت وسط حركتها المفرطة مستنكرة استعراضه لقوته على معصمها الضعيف المتألم، شد عليه أكثر في غضــ,,ـب حتى تأوهت وجــ,,ـثت امامه على الفراش تقابل في استسلام جسده الجاثي المتأهب على أمل إرخاءه لقــ,,ـبضته المميتة على معصمها دون ان تضطر لإظهار ضعفها ولكن ملامحها المتألمة كانت كافية لتجعله يرخي قــ,,ـبضته نوعًا ما قبل ان يزمجر بصوته الصباحي الخشن:
– واضح ان غيابي عنك نساكي أداب التعامل.
ابتسم في س.خرية ثم استطرد ببطء حامي:
– طبعًا وجودك مع أحمد رجعك لأصلك من تاني.

كانت كلمــ,,ـاته حقيرة لكنها استقرت بصدق داخل روحها، اهتزت ملامحها لكنها سيطرت على تلك الفتاة الضعيفة التي كانت عليها يومًا فنجح هو في تلقينها درسًا قويًا أجبرها على حبسها بعيدًا عن أعين العالم خاصة هو، ازاحت عيناها لأسفل بهدوء ونجحت في إخراج صوتها المدافع في قوة:
– عندك حق وجودي مع أحمد رجعني لعقلي ومبقتش الطفلة الصغيرة اللي كانت بتتمنى منك كلمة حلوة أو لمسة حب،
أحمد علمني إزاي أبقى ست بجد مش طفلة كل هدفها سعادتك.

ارتفع جانب شفتيه في قسوة محاولًا السيطرة على كبرياء رجولته الغير متقبل لنبرة الفخر برجُل غيره على لسان زوجته، ودون إدراك وجد نفسه يحيط وجهها بين أصــ,,ـابعه القوية، يميل نحوها متحدثًا أمام فمها مباشرة دون اهتمام بذعرها:
– أحمد علمك تبقي ست في ايه كمان؟
أتسعت مقلتيها واشتعل الغضــ,,ـب سريعًا لمرمى كلمــ,,ـاته وقالت من بين فكها الحبيس داخل قــ,,ـبضه:
– قطع لسانك يا همجي، ابعد إيدك دي عني.

انت في الصفحة 8 من 10 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى